فصل: تفسير الآيات رقم (137- 140)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الخازن المسمى بـ «لباب التأويل في معاني التنزيل» ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏80- 81‏]‏

‏{‏وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ ‏(‏80‏)‏ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ‏(‏81‏)‏‏}‏

‏{‏ولوطاً‏}‏ يعني وأرسلنا لوطاً وقيل‏:‏ معناه واذكر يا محمد لوطاً وهو لوط بن هاران بن تارخ وهو ابن أخي إبراهيم وإبراهيم عمه ‏{‏إذ قال لقومه‏}‏ يعني أهل سدوم وإليهم كان قد أرسل وذلك أن لوطاً عليه الصلاة والسلام لما هاجر مع عمه إبراهيم عليهم الصلاة والسلام إلى الشام فنزل إبراهيم عليه الصلاة والسلام أرض فلسطين ونزل لوط الأردن أرسله الله تعالى إلى أهل سدوم يدعوهم إلى الله تعالى وينهاهم عن فعلهم القبيح وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أتأتون الفاحشة‏}‏ يعني أتفعلون الفعلة الخسيسة التي هي غاية في القبح وكانت فاحشتهم إتيان الذكران في أدبارهم ‏{‏ما سبقكم بها من أحد من العالمين‏}‏ من الأولى زائدة لتوكيد النفي وإفادة معنى الاستغراق والثانية للتبعيض، والمعنى‏:‏ ما سبقكم أيها القوم بهذه الفعلة الفاشحة أحد من العالمين قبلكم وفي هذا الكلام توبيخ لهم وتقريع على فعلهم تلك الفاحشة‏.‏ قال عمرو بن دينار‏:‏ ما نزل ذكر على ذكر في الدنيا إلا كان من قوم لوط ‏{‏أئنكم لتأتون الرجال‏}‏ يعني في أدبارهم ‏{‏شهوة من دون النساء‏}‏ يعني في أدبار الرجال اشهى عندكم من فروج النساء ‏{‏بل أنتم‏}‏ يعني أيها القوم ‏{‏قوم مسرفون‏}‏ أي مجاوزون الحلال إلى الحرام وإنما ذمهم وعيرهم ووبخهم بهذا الفعل الخبيث لأن الله تبارك وتعالى خلق الإنسان وركب فيه شهوة النكاح لبقاء النسل وعمران الدنيا وجعل النساء محلاً للشهوة وموضع النسل فإذا تركهن الإنسان وعدل عنهن إلى غيرهن من الرجال فكأنما قد أسرف وجاوز واعتدى لانه وضع الشيء في غير محله وموضعه الذي خلق له لأن أبدار الرجال ليست محلاً للولادة التي هي مقصودة بتلك الشهوة المركبة في الإنسان وكانت قصة قوم لوط، على ما ذكره محمد بن إسحاق وغيره من أهل الأخبار والسير أنه كانت قرى قوم لوط مخصبة ذات زروع وثمار لم يكن في الأرض مثلها فقصدهم الناس فآذوهم وضيقوا عليهم فعرض لهم إبليس في صورة شيخ وقال لهم إذا فعلتم بهم كذا وكذا نجوتم منهم فأبوا فلما أحل الناس عليهم قصدوهم فأصابوا غلماناً حساناً صباحاً فأخبثوا واستحكم ذلك فيهم‏.‏ قال الحسن‏:‏ كانوا لا ينكحون إلا الغرباء، وقيل‏:‏ استحكم ذلك الفعل فيهم حتى نكح بعضهم بعضاً‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ إن أول من عمل به عمل قوم لوط إبليس وذلك لأن بلادهم أخصبت فقصدها أهل البلدان فتمثل لهم إبليس في صورة شاب أمرد فدعا إلى نفسه فكان أول من نكح في دبره فأمر الله تعالى السماء أن تحصبهم والأرض أن تخسف بهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏82- 85‏]‏

‏{‏وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ‏(‏82‏)‏ فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ‏(‏83‏)‏ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ‏(‏84‏)‏ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ‏(‏85‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وما كان جواب قومه‏}‏ يعني وما كان جواب قوم لوط للوط إذ وبخهم على فعلهم القبيح وركوبهم ما حرم الله تعالى عليهم من العمل الخبيث ‏{‏إلا أن قالوا‏}‏ يعني قال بعضهم لبعض ‏{‏أخرجوهم من قريتكم‏}‏ يعني أخرجوا لوطاً وأتباعه وأهل دينه من بلدكم ‏{‏إنهم أناس يتطهرون‏}‏ يعني أنهم أناس يتنزهون عن فعلكم وعن أدبار الرجال لأنها موضع النجاسة ومن تركها فقد تطهر، وقيل‏:‏ إن البعد عن المعاصي والآثام يسمى طهارة فمن تباعد عنهما فقد تطهر فلهذا قال إنهم أناس يتطهرون أي من فعل المعاصي والآثام ‏{‏فأنجيناه وأهله‏}‏ يعني فأنجينا لوطاً ومن آمن به واتبعه على دينه، وقيل‏:‏ المراد بأهله المتصلون به بسبب النسل أو المراد بأهله ابنتاه ‏{‏إلا امرأته‏}‏ يعني زوجته ‏{‏كانت من الغابرين‏}‏ يعني كانت من الباقين في العذاب لأنها كانت كافرة، وقيل‏:‏ معناه كانت من الباقين المعمرين قد أتى عليها دهر طويل ثم هلكت مع من هلك من قوم لوط وإنما قال من الغابرين ولم يقل من الغابرات لأنها هلكت مع الرجال فغلب الرجال فقال من الغابرين ‏{‏وأمطرنا عليهم مطراً‏}‏ يعني حجارة من سجّيل قد عجنت بالكبريت والنار يقال مطرت السماء وأمطرت‏.‏ وقال أبو عبيدة‏:‏ يقال في العذاب أمطرت وفي الرحمة مطرت ‏{‏فانظر كيف كان عاقبة المجرمين‏}‏ يعني انظر يا محمد كيف كان عاقبة هؤلاء الذين كذبوا بالله ورسوله وعملوا الفواحش كيف أهلكناهم‏.‏ قال مجاهد‏:‏ نزل جبريل عليه السلام فأدخل جناحيه تحت مدائن قوم لوط فاقتلعها ورفعها إلى السماء ثم قلبها فجعل أعلاها أسفلها ثم اتبعوا بالحجارة‏.‏ وقوله فانظر كيف كان عاقبة المجرمين وإن كان هذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم لكن المراد به غيره من أمته ليعتبروا بما جرى على اولئك فينزجروا بذلك الاعتبار عن الأفعال القبيحة والفواحش الخبيثة‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وإلى مدين أخاهم شعيباً‏}‏ يعني‏:‏ وأرسلنا إلى مدين أكثر المفسرين على أن مدين اسم رجل وهو مدين بن إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام فعلى هذا يكون المعنى وأرسلنا إلى ولد مدين ومدين اسم للقبيلة كما يقال بنو تميم بو عدي وبنو أسد‏.‏ وقيل‏:‏ مدين اسم للماء الذي كانوا عيله وقيل هو اسم للمدينة وعلى هذين القولين يكون المعنى‏:‏ وأرسلنا إلى أهل مدين والصحيح هو الأول لقوله أخاهم شعيباً يعني في النسب لا في الدين وشعيب هو ابن ثويب بن مدين بن إبراهيم عليه الصلاة والسلام قاله عطاء وقال محمد بن إسحاق وهو شعيب بن مكيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم عليه الصلاة والسلام وأم ميكيل بنت لوط عليه السلام‏.‏ وقيل‏:‏ هو شعيب بن يثرون بن ثويب بن مدين بن إبراهيم عليه السلام وكان شعيب أعمى وكان يقال له خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه وكان قومه أهل كفر وبخس في المكيال والميزان ‏{‏قال‏}‏ يعني شعيباً ‏{‏يا قوم اعبدوا لله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم‏}‏ يعني‏:‏ قد جاءتكم حجة وبرهان من ربكم بحقية ما أقول وصدق ما أدعي من النبوة والرسالة إليكم لأنه لا بد لكل نبي من معجزة تدل على صدق ما جاء به من عند الله غير أن تلك المعجزة التي كانت لشعيب لم تذكر في القرآن وليست كل آيات الأنبياء مذكورة في القرآن، وقيل‏:‏ أراد بالبينة مجيء شعيب بالرسالة إليهم وقيل أراد بالبينة الموعظة وهي قوله‏:‏ ‏{‏فأوفوا الكيل والميزان‏}‏ يعني فأتموا الكيل والميزان وأعطوا الناس حقوقهم وهو قوله ‏{‏ولا تبخسوا الناس أشياءهم‏}‏ يعني لا تظلموا الناس حقوقهم ولا تنقصوهم إياهم فتطففوا الكيل والوزن‏.‏

يقال‏:‏ بخس فلان في الكيل والوزن إذا نقصه وطففه ‏{‏ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها‏}‏ يعني بعد أن أصلحها الله تعالى ببعثة الرسل وإقامة العدل وكل نبي يبعث إلى قوم فهو صلاحهم ‏{‏ذلكم‏}‏ يعني الذي ذكرت لكم وأمرتكم به من الإيمان بالله ووفاء الكيل والميزان وترك الظلم والبخس ‏{‏خير لكم‏}‏ يعني مما أنتم عليه من الكفر وظلم الناس ‏{‏إن كنتم مؤمنين‏}‏ يعني إن كنتم مصدّقين بما أقول‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏86- 89‏]‏

‏{‏وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ‏(‏86‏)‏ وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آَمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ‏(‏87‏)‏ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ ‏(‏88‏)‏ قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ‏(‏89‏)‏‏}‏

‏{‏ولا تقعدوا بكل صراط توعدون‏}‏ يعني أن شعيباً قال لقومه الكفار ولا تقعدوا على كل طريق من الدين والحق تمنعون الناس من الدخول فيه وتهددونهم على ذلك ذلك أنهم كانوا يجلسون على الطرقات ويخوفون من يريد الإيمان بالله وبرسوله شعيب وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وتصدون عن سبيل الله من آمن به‏}‏ يعني وتمنعون من يريد الإيمان بالله وتقولون إن شعيباً كذاب وتخوفونه بالقتل‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ كانوا يجلسون على الطريق فيخبرون من أتى عليهم أن شعيباً الذي تريدونه كذاب فلا يفتنكم عن دينكم ‏{‏وتبغونها عوجاً‏}‏ يعني‏:‏ وتريدون اعوجاج الطريق عن الحق وعدولها عن القصد‏.‏ وقيل معناه تلتمسون لها الزيغ والضلالة ولا تستقيمون على طريق الهدى والرشاد ‏{‏واذكروا إذا كنتم قليلاً فكثركم‏}‏ يعني‏:‏ أن شعيباً عليه الصلاة والسلام ذكرهم نعمة الله عيلهم‏.‏ قال الزجاج‏:‏ يحتمل ذلك ثلاثة أوجه كثر عددكم وكثركم بالغنى بعد الفقر وكثركم بالقوة بعد الضعف ووجه ذلك أنهم إذا كانوا فقراء ضعفاء فهم بمنزلة القليل والمعنى إنه كثركم بعد القلة وأعزكم بعد الذلة فاشكروا نعمة الله تعالى عليكم وآمنوا به ‏{‏وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين‏}‏ يعني وانظروا نظر اعتبار ما نزل بمن كان قبلكم من الأمم السالفة والقرون الخالية حين عتوا على ربهم وعصوا رسله من العذاب والهلاك وأقرب الأمم إليكم قوم لوط فانظروا كيف أرسل الله تعالى عليهم حجارة من السماء لما عصوه وكذبوا رسله ‏{‏وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا‏}‏ يعني وإن اختلفتم في رسالتي فصرتم فرقتين فرقة آمنت بهي وصدق برسالتي وفرقة كذبن وجحدت رسالتي ‏{‏فاصبروا‏}‏ فيه وعيد وتهديد ‏{‏حتى يحكم الله بيننا‏}‏ يعني حتى يقضي الله ويفصل بيننا فيعجز المؤمنين المصدقين وينصرهم ويهلك المكذبين الجاحدين ويعذبهم ‏{‏وهو خير الحاكمين‏}‏ يعني أنه حاكم عادل منزه عن الجور والميل والحيف في حكمه وإنما قال خير الحاكمين لأنه قد يسمى بعض الأشخاص حاكماً على سبيل المجاز والله تعالى هو الحاكم في الحقيقة فلهذا قال وهو خير الحاكمين ‏{‏قال الملأ الذين استكبروا من قومه‏}‏ يعني قال الجماعة من أشراف قومه الذين تكبروا عن الإيمان بالله وبرسوله وتعظموا عن اتباع شعيب ‏{‏لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودنّ في ملتنا‏}‏ عين أن قوم شعيب أجابوه بأن قالوا لا بد من أحد أمرين إما إخراجك ومن تبعك على دينك من بلدنا او لترجعن إلى ديننا وملتنا وما نحن عليه وهذا فيه إشكال وهو أن شعيباً عليه الصلاة والسلام لم يكن قط على ملتهم حتى يرجع إلى ما كان عليه فما معنى قوله أو لتعودن في ملتنا وأجيب عن هذا الإشكال بأن اتباع شعيب كانوا قبل الإيمان به على ملة أولئك الكفار فخاطبوا شعيبا وأتباعه جميعاً فدخل هو في الخطاب وإن لم يكن على ملتهم قط‏.‏

وقيل‏:‏ معناه لتصيرن إلى ملتنا فوقع العود على معنى الابتداء كما تقول قد عاد عليّ من فلان مكروه بمعنى قد لحقني منه ذلك وإن لم يكن قد سبق منه مكروه فهو كما قال الشاعر‏:‏

فإن تكن الأيام أحسن مدة *** إلي فقد عادت لهن ذنوب

أراد فقد صارت لهن ذنوب ولم يرد أن ذنوباً كانت لهن قبل الإحسان‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قال أولو كنا كارهين‏}‏ أي لا نعود في ملتكم وإن أكرهتمونا وأجبرتمونا على الدخول فيها فلا نقبل ولا ندخل ‏{‏قد افترينا على الله كذباً إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها‏}‏ يعني أن شعيباً أجاب قومه إذ دعوه ومن آمن به إلى العود إلى ملتهم والدخول فيها فقال قد افترينا يعني قد اختلقنا على الله كذباً وتخرصنا عليه من القول باطلاً إن نحن رجعنا إلى ملتكم وقد علمنا فساد ما أنتم عليه من الملة والدين وقد أنقذنا الله وخلصنا منها وبصرنا خطأها وهذا أيضاً فيه من الاشكال مثل ما في الأول وهو أن شعيباً عليه الصلاة والسلام ما كان في ملتهم قط حتى يقول إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها والجواب عنه مثل ما أجيب عن الإشكال الأول وهو أن نقول إن الله نجى قومه الذين آمنوا به من تلك الملة الباطلة، إلا أن شعيباً نظم نفسه في جملتهم وإن كانا بريئاً ما كانوا عليه من الكفر فأجرى الكلام على حكم التغليب‏.‏ وقيل‏:‏ معنى نجانا الله منها علمنا قبح ملتكم وفسادها فكأنه خلصنا منها وقوله تعالى إخباراً عنه ‏{‏وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا‏}‏ يعني وما يكون لنا أن نرجع إلى ملتكم ونترك الحق الذي نحن عليه إلا أن يشاء الله ربنا يعني إلا أن يكون قد سبق لنا في علم الله أن نعود فيها فحينئذ يمضي قضاء الله وقدره فينا وينفذ سابق مشيئته علينا وقال الواحدي‏:‏ ومعنى العود هنا الابتداء والذي عليه أهل العلم والسنة في هذه الآية أن شعيباً وأصحابه قالوا ما كنا لنرجع إلى ملتكم بعد أن وقفنا على أنها ضلالة تكسب دخول النار إلا أن يريد الله إهلاكنا فأمورنا راجعة إلى الله غير خارجة عن قبضته يسعد من يشاء بالطاعة ويشقي من يشاء بالمعصية وهذا شعيب وقومه استسلام لمشيئة الله ولم تزل الأنبياء والأكابر يخافون العاقبة وانقلاب الأمر ألا ترى إلى قول الخليل عليه الصلاة والسلام ‏{‏واجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام‏}‏ وكان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يقول

«يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» قال الزجاج رحمه الله تعالى المعنى وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يكون قد سبق في علم الله ومشيئته أن نعود فيها وتصديق ذلك قوله ‏{‏وسع ربنا كل شيء علماً‏}‏ يعني أنه تعالى يعلم ما يكون قبل أن يكون وما سيكون وأنه تعالى كان عالماً في الأزل بجميع الأشياء فالسعيد من سعد في علم الله تعالى والشقي من شقي في علم الله تعالى ‏{‏على الله توكلنا‏}‏ على الله نعتمد وإليه نستند في أمورنا كلها فإنه الكافي لمن توكل عليه والمعنى‏:‏ على الله توكلنا لا على غيره فكأنه ترك الأسباب ونظر إلى مسبب الأسباب ‏{‏ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق‏}‏ لما أيس شعيب من إيمان قومه دعا بهذا الدعاء فقال ربنا افتح أي اقض وافصل واحكم بيننا وبين قومنا بالحق يعني بالعدل الذي لا جور فيه ولا ظلم ولا حيف ‏{‏وأنت خير الفاتحين‏}‏ يعني خير الحاكمين قال الفراء إن أهل عمان يسمون القاضي الفاتح والفتاح وقال غيره من أهل اللغة هي لغة مراد وأنشد لبعضهم في ذلك‏:‏

ألا أبلغ بني عصم رسولاً *** فإني عن فتى حكم غني

أراد أنه غني عن حاكمهم وقاضيهم‏.‏ وقال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ ما كنت أدري ما معنى قوله ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين حتى سمعت ابنة ذي يزن تقول تعال أفاتحك يعني أقاضيك‏.‏ وهذا قول قتادة والسدي وابن جريج وجمهور المفسرين أن الفاتح هو القاضي والحاكم سمي بذلك لأنه يفتح أغلاق الإشكال بين الخصوم ويفصلها‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ وجائز أن يكون معناه ربنا أظهر أمرنا حتى ينفتح بيننا وبين قومنا وينكشف والمراد منه أن ينزل عليهم عذاباً يدل على كونهم مبطلين وعلى كون شعيب وقومه محقين وعلى هذا الوجه فالفتح يراد به الكشف والتمييز‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏90- 92‏]‏

‏{‏وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ ‏(‏90‏)‏ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ‏(‏91‏)‏ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ ‏(‏92‏)‏‏}‏

‏{‏وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيباً‏}‏ يعني وقال جماعة من أشراف قوم شعيب ممن كفر به لآخرين منهم لئن اتبعتم شعيبا على دينه وتركتم دينكم وملتكم وما أنتم عليه ‏{‏إنكم إذاً لخاسرون‏}‏ يعني إنكم لمغبونون في فعلكم ‏{‏فأخذتهم الرجفة‏}‏ يعني الزلزلة الشديدة ‏{‏فأصبحوا في دارهم جاثمين‏}‏ قال ابن عباس وغيره‏:‏ فتح الله عليهم باباً من جهنم فأرسل عيلهم حراً شديداً من الظاهر فخرجوا هرباً إلى البرية فبعث الله عليهم سحابة فيها ريح طيبة باردة فأظلتهم وهي الظلة فوجدوا لها برداً ونسيماً فنادى بعضهم بعضاً حتى إذا اجتمعوا تحت السحابة رجالهم ونساؤهم وصبيانهم ألهبها الله عليهم ناراً ورجفت بهم الأرض من تحتهم فاحترقوا كاحتراق الجراد في المقلاة وصاروا رماداً، وروي أن الله تعالى حبس عنهم الريح سبعة أيام ثم سلط عليهم الحر حتى هلكوا بها‏.‏ وقال قتادة‏:‏ بعث الله شعيباً إلى أصحاب الأيكة وإلى أهل مدين فأما أصحاب الأيكة فأهلكوا بالظلة وأما أهل مدين فأخذتهم الرجفة صاح بهم جبريل عليه السلام صيحة هلكوا جميعاً‏.‏ قال أبو عبد الله البجلي‏:‏ كان أبو جاد وهوز وحطي وكلمن وسعفص وقرشت ملوك مدين وكان ملكهم في زمن شعيب يوم الظلة اسمه كلمن فلما هلك قالت ابنته شعراً تبكيه وترثيه به‏:‏

كلمن هدم ركني *** هلكه وسط المحلهْ

سيد القوم أتاه *** هلك نار تحت ظلهْ

جعلت ناراً عليهم *** دارهم كالمضمحلهْ

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏الذين كذبوا شعيباً كأن لم يغنوا فيها‏}‏ يعني كأن لم يقيموا فيها ولم ينزلوها يوماً من الدهر يقال‏:‏ غنيت بالمكان أي أقمت به‏.‏ والمغاني‏:‏ المنازل التي بها أهلها واحدها مغنى قال الشاعر‏:‏

ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة *** في ظل ملك ثابت الأوتاد

أراد أقاموا فيها وقيل في معنى الآية كأن لم يعيشوا فيها متنعمين مستغنين يقال‏:‏ غني الرجل إذا انغنى وهو من الغنى الذي هو ضد الفقر ‏{‏الذين كذبوا شعيباً كانوا هم الخاسرين‏}‏ يعني خسروا أنفسهم بهلاكهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏93- 97‏]‏

‏{‏فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آَسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ ‏(‏93‏)‏ وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ‏(‏94‏)‏ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آَبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ‏(‏95‏)‏ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ‏(‏96‏)‏ أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ ‏(‏97‏)‏‏}‏

‏{‏فتولى عنهم‏}‏ يعني فأعرض عنهم شعيب شاخصاً من بين أظهرهم حين أتاهم العذاب ‏{‏وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم‏}‏ يعني أنه قال لهم ذلك لما تيقن نزول العذاب بقومه واختلفوا هل كان ذلك القول قبل نزول العذاب أو بعده على قولين سبقا في قصة صالح عليه الصلاة والسلام وقوله ‏{‏فكيف آسى‏}‏ يعني أحزن ‏{‏على قوم كافرين‏}‏ والأسى أشد الحزن وإنما اشتد حزنه على قومه لأنهم كانوا كثيرين وكان يتوقع منهم الإجابة والإيمان فلما نزل بهم ما نزل من العذاب عزى نفسه فقال كيف أحزن على قوم كافرين لأنهم هم الذين أهلكوا أنفسهم بإصرارهم على الكفر‏.‏ وقيل في معنى الآية إن شعيباً قال لقد أعذرت إليكم في الإبلاغ والنصيحة والتحذير فلم تسمعوا قولي ولم تقبلوا نصحي فكيف أحزن عليكم يعني إنكم لستم مستحقِّين لأن يحزن عليكم‏.‏

فعلى القول الأول‏:‏ إنه حصل لشعيب حزن على قومه‏.‏

وعلى القول الثاني‏:‏ لم يحزن عليه والله أعلم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما أرسلنا في قرية من نبي‏}‏ فيه إضمار وحذف تقديره فكذبوه ‏{‏إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء‏}‏ قال ابن مسعود‏:‏ البأساء الفقر والضراء المرضى وهو معنى قول الزجاج‏:‏ فإنه قال البأساء كل ما نالهم من الشدة في أموالهم والضراء كل ما نالهم من الأمراض‏.‏ وقيل‏:‏ البأساء الشدة وضيق العيش والضراء الضر وسوء الحال ‏{‏لعلهم يضرعون‏}‏ يعني إنما فعلنا بهم ذلك لكي يتضرعون ويتوبوا والتضرع الخضوع والانقياد لأمر الله عز وجل والمراد من هذه الآية أن الله عز وجل لما عرف نبيه صلى الله عليه وسلم أحوال الأنبياء مع أممهم المكذبة وقص عليه من أخبارهم وعرفه سنته في الأمم الذين خلقوا من قبله وما صاروا إليه من الهلاك والعذاب عرفه في هذه الآية انه قد أرسل رسلاً إلى أمم أخر فكذبوا رسلهم فأخذهم بالبأساء والضراء كما فعل بمن كذب برسله وفيه تخويف وتحذير الكفار قريش وغيرهم من لكفار لينزجروا عما هم عليه من الكفر والتكذيب ثم بين تعالى أنه لا يجري تدبيره في أهل القرى على نمط واحد وسنة واحدة إنما يدبرهم بما يكون إلى الإيمان أقرب وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة‏}‏ لأن ورود النعمة على البدن والمال بعد الشدة والضيق يستدعي الانقياد للطاعة والاشتغال بالشكر‏.‏ قال أهل اللغة‏:‏ السيئة كل ما يسوء صاحبه والحسنة كل ما يستحسنه الطبع والعقل فالسيئة والحسنة هنا الشدة والرخاء‏.‏ والمعنى أنه تعالى بدل مكان البأساء والضراء النعمة والسعة والخصب والصحة في الأبدان فأخبر الله تعالى في هذه الآية أنه يأخذ أهل المعاصي والكفر تارة بالشدة وتارة بالرخاء على سبيل الاستدراج وهو قوله ‏{‏حتى عفوا‏}‏ يعني أنه فعل ذلك بهم حتى كثروا وكثرت أموالهم‏.‏

يقال‏:‏ عفا الشعر إذا كثر وطال‏.‏ قال مجاهد‏:‏ حتى كثرت أموالهم وأولادهم ‏{‏وقالوا‏}‏ يعني من غرتهم وغفلتهم بعد ما صاروا إلى الرخاء والسعة ‏{‏قد مس آباءنا الضراء والسراء‏}‏ يعني أنهم قالوا هكذا عادة الدهر قديماً وحديثاً لنا ولآبائنا ولم يكن ما مسنا من الشدة والضراء عقوبة لنا من الله تعالى على ما نحن عليه فكونواعلى ما أنتم عليه كما كان آباؤكم من قبل فإنهم لم يتركوا دينهم مما أصابهم من الضراء والسراء قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فأخذناهم بغتة‏}‏ يعني أخذناهم فجأة آمن ما كانوا ليكون ذلك أعظم لحسرتهم ‏{‏وهم لا يشعرون‏}‏ يعني بنزول العذاب بهم والمراد بذكر هذه القصة اعتبار من سمعها لينزجر عما هو عليه من الذنوب‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا‏}‏ لما بين الله تعالى في هذه الآية الأولى ‏{‏إن الذين عصوا وتمردوا أخذهم بعذابه‏}‏ بين في هذه الآية أنهم لو آمنوا يعني بالله ورسوله وأطاعوه فيما أمرهم به واتقوا يعني ما نهى الله تعالى عنه وحرمه عليهم ‏{‏لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض‏}‏ وبركات السماء المطر وبركات الأرض النبات والثمار وجميع ما فيها من الخيرات والأنعام والأرزاق والأمن والسلامة من الآفات وكل ذلك من فضل الله تعالى وإحسانه على عباده‏.‏ وأصل البركة ثبوت الخير الإلهي في الشيء وسمي المطر بركة السماء لثبوت البركة فيه وكذا ثبوت البركة في نابت الأرض لأنه نشأ عن بركات السماء وهي المطر‏.‏ وقال البغوي‏:‏ أصل البركة المواظبة على الشي‏.‏ أي تابعنا عليهم بالمطر من السماء والنبات من الأض ورفعنا عنهم القحط والجدب ‏{‏ولكن كذبوا‏}‏ يعني فعلنا بهم ذلك ليؤمنوا فما آمنوا ولكن كذبوا يعني الرسل ‏{‏فأخذناهم‏}‏ يعني بأنواع العذاب ‏{‏بما كانوا يكسبون‏}‏ يعني أخذناهم بسبب كسبهم الأعمال الخبيثة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أفأمن أهل القرى‏}‏ هو استفهام بمعنى الإنكار وفيه وعيد وتهديد وزجر، والمراد بالقرى مكة وما حولها، وقيل‏:‏ هو عام في كل أهل القرى الذين كفروا وكذبوا ‏{‏أن يأتيهم بأسنا‏}‏ يعني عذابنا ‏{‏بياتاً‏}‏ يعني ليلاً ‏{‏وهم نائمون‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏98- 101‏]‏

‏{‏أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ‏(‏98‏)‏ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ‏(‏99‏)‏ أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ‏(‏100‏)‏ تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ ‏(‏101‏)‏‏}‏

‏{‏أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى‏}‏ يعني نهاراً لأن الضحى صدر النهار ‏{‏وهم يلعبون‏}‏ يعني‏:‏ وهم ساهون لاهون غافلون عما يراد بهم‏.‏ والمقصود من الآية أن الله خوفهم بنزول العذاب وهم في غاية الغفلة وهو حال النوم بالليل وحال الضحى بالنهار لأنه الوقت الذي يغلب على الإنسان التشاغل فيه بأمور الدنيا، وأمور الدنيا كلها لعب ويحتمل أن يكون المراد خوضهم في كفرهم وذلك لعب أيضاً لأنه يضر ولا ينفع ‏{‏أفأمنوا مكر الله‏}‏ يعني استدراجه إياهم بما أنعم عليهم من الدنيا وقيل‏:‏ المراد به أن يأتيهم عذابه من حيث لا يشعرون، وعلى هذا الوجه فيكون بمعنى التحذير وسمي هذا العذاب مكراً لنزوله وهم في غفلة عنه لا يشعرون به ‏{‏فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون‏}‏ يعني أنه لا يأمن أن يكون ما أعطاهم من النعمة مع كفرهم استدراجاً إلا من خسر في أخراه وهلك مع الهالكين ‏{‏أو لم يهد‏}‏ أو لم يبين ‏{‏للذين يرثون الأرض من بعد‏}‏ هلاك ‏{‏أهلها‏}‏ الذين كانوا من قبلهم فورثوها عنهم وخلفوهم ‏{‏أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم‏}‏ يعني لو نشاء أخذناهم وعاقبناهم بسبب كفرهم ‏{‏ونطبع‏}‏ أي نختم ‏{‏على قلوبهم فهم لا يسمعون‏}‏ يعني لا يسمعون موعظة ولا يقبلون الإيمان ونطبع منقطع عما قبله والمعنى قبله والمعنى ونحن نطبع على قلوبهم ويجوز أن يكون معطوفاً على الماضي ولفظه لفظ المستقبل والمعنى لو شئنا طبعنا على قلوبهم ‏{‏تلك القرى‏}‏ يعني هذه القرى التي ذكرنا لك يا محمد أمرها وأمر أهلها وهي قرى قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وشعيب ‏{‏نقصّ عليك من أنبائها‏}‏ يعني نخبرك عنها وعن أخبار أهلها وما كان من أمرهم وأمر رسلهم الذين أرسلوا إليهم لتعلم يا محمد إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا معهم على أعدائنا وأعدائهم من أهل الكفر والعناد وكيف أهلكناهم بكفرهم وبمخالفتهم رسلهم ففيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتحذير لكفار قريش أن يصيبهم مثل ما أصابهم ‏{‏ولقد جاءتهم‏}‏ يعني لأهل تلك القرى ‏{‏رسلهم بالبينات‏}‏ يعني جاءتهم رسلهم المعجزات الباهرات والبراهين الدالة على صدقهم ‏{‏فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل‏}‏ اختلف أهل التفسير في معنى ذلك فقيل‏:‏ معناه فما كانوا هؤلاء المشركين الذين أهلكناهم من أهل القرى ليؤمنوا عند إرسالنا إليهم رسلهم بما كذبوا من قبل ذلك وهو يوم أخذ ميثاقهم حين أخرجهم من ظهر آدم عليه السلام فأقروا باللسان وأضمروا التكذيب وهذا معنى قول ابن عباس والسدي‏.‏ قال السدي‏:‏ آمنوا كرهاً يوم أخذ الميثاق، وقال مجاهد‏:‏ ما كانوا لو أحييناهم بعد إهلاكهم ومعاينتهم العذاب ليؤمنوا بما كذبوا من قبل هلاكهم وقيل معناه فما كانوا يؤمنوا عند مجيء الرسل بما سبق لهم في علم الله أنهم يكذبون به حين أخرجهم من صلب آدم عليه الصلاة والسلام‏.‏

قال أبيّ بن كعب‏:‏ كان سبق لهم في علمه يوم أقروا له بالميثاق أنهم لا يؤمنون به وقال الربيع بن أنس يحق على العباد أن يأخذوا من العلم ما أبدى لهم ربهم وأن لا يتأولوا علم ما أخفى الله تعالى عنهم فإن علمه نافذ فيما كان وفيما يكون وفي ذلك قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين‏}‏ قال‏:‏ نفذ علمه فيهم أيهم المطيع من العاصي حيث خلقهم في صلب آدم عليه الصلاة والسلام‏.‏ قال الطبري‏:‏ وأولى الأقوال بالصواب قول أبيّ بن كعب والربيع بن أنس وذلك أن من سبق في علم الله أنه لا يؤمن به فلا يؤمن أبداً وقد كان سبق في علم الله لمن هلك من الأمم الذين قص خبرهم في هذه السورة أنهم لا يؤمنون أبداً فأخبر عنهم أنهم لم يكونوا ليؤمنوا بما هم مكذبون به في سابق علمه قبل مجيء الرسل عند مجيئهم إليهم ‏{‏كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين‏}‏ يعني كما طبع الله على قلوب كفار الأمم الخالية وأهلكهم كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين الذين كتب الله عليهم أنهم لا يؤمنون من قومك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏102- 107‏]‏

‏{‏وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ ‏(‏102‏)‏ ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآَيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ‏(‏103‏)‏ وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏104‏)‏ حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏(‏105‏)‏ قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآَيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ‏(‏106‏)‏ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ ‏(‏107‏)‏‏}‏

‏{‏وما وجدنا لأكثرهم من عهد‏}‏ يعني وما وجدنا لأكثر الأمم الخالية والقرون الماضية الذين قصصنا خبرهم عليك يا محمد من وفاء بالعهد الذي عهدناه إليهم وأوصيناهم به يوم أخذ الميثاق قال ابن عباس إنما أهلك الله أهل القرى لأنهم لم يكونوا حفظوا ما وصاهم به ‏{‏وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين‏}‏ أي ما وجدنا أكثرهم إلا فاسقين خارجين عن طاعتنا وأمرنا قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏ثم بعثنا من بعدهم‏}‏ يعني ثم بعثنا من بعد الأنبياء الذين تقدم ذكرهم وهم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب عليهم الصلاة والسلام ‏{‏موسى بآياتنا‏}‏ يعني بحججنا وأدلتنا الدالة على صدقه مثل اليد والعصا ونحو ذلك من الآيات التي جاء بها موسى عليه الصلاة والسلام ‏{‏إلى فرعون وملئه‏}‏ قيل إن كل من ملك مصر كان يسمى فرعون في ذلك الزمان مثل ما كان يسمى ملك الفرس كسرى وملك الروم قيصر وملك الحبشة النجاشي وكان اسم فرعون الذي أرسل إليه موسى عليه الصلاة والسلام الوليد بن مصعب بن الريان وكان ملك القبط والملأ إشراف قومه وإنما خصوا بالذكر لأنه إذا آمن الأشراف آمن الأتباع ‏{‏فظلموا بها‏}‏ يعني‏:‏ فجحدوا بها لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه وكانت هذه الآيات معجزات ظاهرة قاهرة فكفروا بها ووضعوا الكفر موضع الإيمان ‏{‏فانظر كيف كان عاقبة المفسدين‏}‏ أي‏:‏ انظر يا محمد بعين العقل والبصيرة كيف فعلنا بهم وكيف أهلكناهم ‏{‏وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين‏}‏ يعني أن موسى عليه الصلاة والسلام لما دخل على فرعون دعاه إلى الله تعالى وإلى الإيمان به وقال له إني رسول الله أي مرسل إليك وإلى قومك من رب العالمين يعني أن الله الذي خلق السموات والأرض وخلق الخلق وهو سيدهم ومالكهم هو الذي أرسلني إليك ‏{‏حقيق‏}‏ أي واجب ‏{‏على أن لا أقول على الله إلا الحق‏}‏ يعني إني رسول والرسول لا يقول على الله إلا الحق في وصفه وتنزيهه وتوحيده وأنه لا إله غيره ‏{‏قد جئتكم ببينة من ربكم‏}‏ يعني ببرهان على صدقي فيما أدعي من الرسالة والمراد ببينته معجزته وهي العصا واليد البيضاء ثم إن موسى عليه الصلاة والسلام لما فرغ من تبليغ رسالته رتب على ذلك الحكم فقال موسى ‏{‏فأرسل معي بني إسرائيل‏}‏ يعني خلِّ عنهم وأطلقه من أسرك وكان فرعون قد استعبد بني إسرائيل واستعملهم في الأعمال الشاقة مثل ضرب اللبن ونقل التراب ونحو ذلك من الأعمال الشاقة ‏{‏قال إن كنت جئت بآية فأتِ بها إن كنت من الصادقين‏}‏ يعني أن فرعون قال لموسى عليه الصلاة والسلام بعد تبليغ الرسالة‏:‏ إن كنت جئت من عند من أرسلك ببينة تدل على صدقك فأتني بها وأحضرها عندي لتصح دعواك ويثبت صدقك فيما قلت ‏{‏فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين‏}‏ أي بيِّن، ولاثعبان الذكر من الحيات وصفه هنا بأنه ثعبان والثعبان من الحيات العظيم الضخم ووصفه في آية أخرى بأنه جان والجان الحية الصغيرة والجامع بين هذين الوصفين أنها كانت في عظم الجثة كالثعبان العظيم وفي خفة الحركة كالحية الصغيرة وهي الجان‏.‏

قال ابن عباس والسدي‏:‏ إن موسى لما ألقي العصا صارت حية عظيمة صفراء شعراء فاغرة فاها بين لحييها ثمانون ذراعاً وارتفعت من الأرض بقدر ميل وقامت على ذنبها واضعة ليحها الأسفل في الأرض ولحيها الأعلى على سور القصر وتوجهت نحو فرعون فتأخذه فوثب فرعون عن سريره هارباً وأحدث وقيل إنه أحدث في ذلك اليوم أربعمائة مرة، وقيل‏:‏ إنها أخذت قبة فرعون بين أنيابها وحملت على الناس فانهزموا وصاحوا وقتل بعضهم بعضاً فمات منهم في ذلك اليوم خمسة وعشرون ألفاً ودخل فرعون البيت وصاح يا موسى أنشدك بالذي أرسلك أن تأخذها وأنا أؤمن بك وأرسل معك بني إسرائيل فعادت في يده عصا كما كانت وفي كون الثعبان مبيناً وجوه‏:‏

الأول‏:‏ أنه تميز وتبين ذلك عما عملته السحرة من التمويه والتلبيس وبذلك تتميز معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على تمويه السحرة وتخليهم‏.‏

الوجه الثاني‏:‏ أنهم شاهدوا العصا انقلبت حية ولم يشتبه ذلك عليهم فذلك قال ثعبان مبين أي بيِّن‏.‏

الوجه الثالث‏:‏ إن ذلك الثعبان لما كان معجزة لموسى عليه الصلاة والسلام كان من أعظم الآيات التي أبانت صدق قول موسى عليه الصلاة والسلام في أنه رسول من رب العالمين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏108- 112‏]‏

‏{‏وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ ‏(‏108‏)‏ قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ‏(‏109‏)‏ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ‏(‏110‏)‏ قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ‏(‏111‏)‏ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ ‏(‏112‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ونزع يده‏}‏ النزع في اللغة عبارة عن إخراج الشيء عن مكانه والمعنى أنه أخرج يده من جيبه أو من تحت جناحه ‏{‏فإذا هي بيضاء للناظرين‏}‏ قال ابن عباس وغيره‏:‏ أخرج يده من جيبه فرآها بيضاء من غير سوء يعني من غير برص، وقيل‏:‏ إن موسى عليه الصلاة والسلام أدخل يده تحت جيبه ثم نزعها منه وقيل أخرج يده من تحت إبطه فإذا هي بيضاء لها شعاع غلب نور الشمس وكان موسى عليه الصلاة والسلام آدم اللون ثم ردها إلى جيبه فأخرجها فإذا هي كما كانت ولما كان البياض المفرط عيباً في الجسد وهو البرص قال الله تعالى في آية أخرى ‏{‏بيضاء من غير سوء‏}‏ يعني من غير برص والمعنى فإذا هي بيضاء للنظارة ولا تكون بيضاء للنظارة إلا إذا كان بياضها بياضاً عجيباً خارجاً عن العادة يُتعجب منه‏.‏

‏(‏فصل في بيان المعجزة وكونها دليلاً على صدق الرسل‏)‏

اعلم ان الله تبارك وتعالى كان قادراً على خلق المعرفة والإيمان في قلوب عباده ابتداء من غير واسطة ولكن أرسل إليهم رسلاً تعرفهم معالم دينه وجميع تكليفاته وذلك الرسول واسطة بين الله عز وجل وبين عباده يبلغهم كلامه ويعرفهم أحكامه وجائز أن تكون تلك الواسطة من غير البشر كالملائكة من الأنبياء وجائز إلى أن تكون الواسطة من جنس البشر كالأنبياء مع أممهم ولا مانع لهذا من جهة العقل وإذا جاز هذا في دليل العقل وقد جاءت الرسل عليهم الصلاة والسلام بمعجزات دلت على صدقهم فوجب تصديقهم في جميع ما أتوا به لأن المعجز مع التهدي من النبي قائم مقام قول الله عز وجل صدق عبدي فأطيعوه واتبعوه ولأن معجزة النبي شاهد على صدقه فيما يقوله وسميت المعجزة معجزة لأن الخلق عجزوا عن الإتيان بمثلها وهي على ضربين‏:‏ فضرب منها هو على نوع قدرة البشر ولكن عجزوا عنه فعجزهم عنه دلَّ على أنه من فعل الله ودل على صدق النبي صلى الله عليه وسلم كتمنّي الموت في قوله ‏{‏فتمنوا الموت إن كنتم صادقين‏}‏ فلما صرفوا عن تمنيه مع قدرتهم عليه علم أنه من عند الله ودل على صدق النبي صلى الله عليه وسلم الضرب الثاني ما هو خارج عن قدرة البشر كإحياء الموتى وقلب العصا حية وإخراج ناقة من صخرة وكلام الشجر والجماد الحيوان ونبع الماء من بين الأصابع وغير ذلك من المعجزات التي عجز البشر عن مثلها فإذا أتى النبي بشيء من تلك المعجزات الخارقة للعادات علم أن ذلك من عند الله وأن الله عز وجل هو الذي أظهر ذلك المعجز على يد نبيه ليكون حجة له على صدقه فيما يخبر به عن الله عز وجل وقد ثبت بدليل العقل والبرهان القاطع أن الله تعالى قادر على خلق الأشياء وإبداعها من غير أصل سبق لها وإخراجها من العدم إلى الوجود وأنه قادر على قلب الأعيان وخوارق العادات والله تعالى أعلم‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏قال الملأ من قوم فرعون إن هذا‏}‏ يعني موسى ‏{‏لَساحر عليم‏}‏ يعني أنه ليأخذ بأعين الناس حتى يخيل لهم أن العصا صارت حية ويرى الشيء بخلاف ما هو عليه كما أراهم يده بيضاء وهو آدم اللون، وإنما قالوا ذلك لأن السحر كان هو الغالب في ذلك الزمان فلما أتى بما يعجز عنه غيره قالوا إن هذا لساحر عليم‏.‏

فإن قلت‏:‏ قد أخبر الله تعالى في هذه السورة أن هذا الكلام من قوم الملأ لفرعون وقال في سورة الشعراء قال للملأ حوله إن هذا لساحر عليم فكيف الجمع بينهما‏.‏

قلت‏:‏ لا يمتنع أن يكون قاله فرعون أولاً ثم إنهم قالوه بعد فأخبر الله تعالى عنهم هنا وأخبر عن فرعون في سورة الشعراء، وقيل‏:‏ يحتمل أن فرعون قال هذا القول، ثم إن الملأ من قومه وم خاصته سمعوه منه ثم إنهم بلغوه إلى العامة فأخبر الله عز وجل هنا عن الملأ وأخبر هناك عن فرعون‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏يريد أن يخرجكم من أرضكم‏}‏ يعني يريد موسى أن يخرجكم أيها القبط من أرض مصر ‏{‏فماذا تأمرون‏}‏ يعني‏:‏ فأي شيء تشيرون أن نفعل به وقيل إن قوله فماذا تأمرون من قول الملأ لأن كلام فرعون تم عند قوله يريد أن يخرجكم من أرضكم فقال الملأ مجيبين لفرعون فماذا تأمرون وإنما خاطبوه بلفظ الجمع وهو واحد على عادة الملوك في التعظيم والتفخيم والمعنى فما ترون أن نفعل به والقول الأول أصح لسياق الآية التي بعدها وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قالوا أرجه وأخاه‏}‏ يعني أخرِّ أمرهما ولا تعجل فيه فتصير عجلتك عليك لا لك والإرجاء في اللغة هو التأخير لا الحبس ولأن فرعون ما كان يقدر على حبس موسى بعد أن رأى من أمر العصا ما رأى ‏{‏وأرسل في المدائن‏}‏ جمع مدينة واشتقاقها من مدن بالمكان أي أقام به يعني مدائن صعيد مصر ‏{‏حاشرين‏}‏ يعني رجالاً يحشرون إليك السحرة من جميع مدائن الصعيد والمعنى أنهم قالوا لفرعون أرسل إلى هذه المدائن رجالاً من أعوانك وهو الشرَط يحشرون إليك من فيها من السحرة وكان الرؤساء السحرة بأقصى مدائن الصعيد فإن غلبهم موسى صدقناه واتبعناه وإن غلبوه أنه ساحر فذلك قوله ‏{‏يأتوك‏}‏ يعني الشرط ‏{‏بكل ساحر‏}‏ وقرئ سحار والفرق بين الساحر والسحار أن الساحر هو المبتدئ في صناعة السحر فيتعلم ولا يعلم والسحار هو الماهر الذي يتعلم منه السحر وقيل الساحر من يكون سحره وقتاً دون وقت والسحار الذي يدوم سحره ويعمل في كل وقت ‏{‏عليم‏}‏ يعني ماهر بصناعة السحر وقال ابن عباس رضي الله عنهما وابن إسحاق والسدي‏:‏ إن فرعون لما رأى من سلطان الله وقدرته في العصا قال إنا لا نقاتل موسى إلا بمن هو أشد منه سحراً فاتخذ غلماناً من بني إسرائيل وبعث بهم إلى مدينة يقال لها الغوصاء يعلمونهم السحر فعلموهم سحراً كبيراً وواعد فرعون موسى موعداً ثم بعث إلى السحرة فجاؤوا ومعهم معلمهم فقال فرعون للمعلم ماذا صنعت قال قد علمتهم سحراً لا يطيقه سحر أهل الأرض إلا أن يكون أمراً من السماء فإنه لا طاقة لهم به ثم بعث فرعون في مملكته فلم يترك ساحراً إلا أتى به واختلفوا في عدد السحرة الذين جمعهم فرعون فقال مقاتل‏:‏ كانوا اثنين وسبعين اثنان منهم من القبط وهما رئيسا القوم وسبعون من بني إسرائيل وقال الكلبي‏:‏ كان الذين يعلمونهم رجلين مجوسيين من أهل نينوى وكانوا سبعين غير رئيسهم وقال كعب الأحبار‏:‏ كانوا اثني عشر ألفاً، ومحمد بن إسحاق‏:‏ كانوا خمسة عشر ألفاً، وقال عكرمة‏:‏ كانوا سبعين ألفاً وقال محمد بن المنكدر‏:‏ كانوا ثمانين ألفاً وقال السدي‏:‏ كانوا بضعاً وثمانين ألفاً، ويقال‏:‏ رئيس القوم شمعون، وقيل‏:‏ يوحنا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏113- 117‏]‏

‏{‏وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ ‏(‏113‏)‏ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ‏(‏114‏)‏ قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ ‏(‏115‏)‏ قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ‏(‏116‏)‏ وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ‏(‏117‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وجاء السحرة فرعون‏}‏ يعني لما اجتمعوا وجاؤوا إلى فرعون ‏{‏قالوا إن لنا لأجراً‏}‏ يعني جعلاً وعطاء تكرمنا به ‏{‏إن كنا نحن الغالبين‏}‏ يعني لموسى قال الإمام فخر الدين الرازي‏:‏ ولقائل أن يقول كان حق الكلام أن يقول وجاء السحرة فرعون فقالوا بالفاء وجوابه هو على تقدير سائل سأل ما قالوا إذا جاؤوا فأجيب بقوله قالوا أئن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين يعني لموسى ‏{‏قال نعم‏}‏ يعني‏:‏ قال لهم فرعون لكم الأجر والعطاء ‏{‏وإنكم لمن المقربين‏}‏ يعني ولكم المنزلة الرفيعة عندي مع الأجر والمعنى أن فرعون قال للسحرة إني لا أقتصر معكم على الأجر بل أزيدكم عليه وتلك الزيادة إني أجعلكم من المقربين عندي، قال الكلبي‏:‏ تكونوا أول من يدخل عليّ وآخر من يخرج من عندي ‏{‏قالوا‏}‏ يعني السحرة ‏{‏يا موسى إما أن تلقي‏}‏ يعني عصاك ‏{‏وإما أن نكون نحن الملقين‏}‏ يعني عصيّنا وحبالنا في هذه الآية دقيقة لطيفة وهي أن السحرة راعوا مع موسى عليه الصلاة والسلام حسن الأدب حيث قدموه على أنفسهم في الإلقاء لا جرم أن الله عز وجل عوضهم حيث تأدبوا مع نبيه موسى صلى الله عليه وسلم أن منَّ عليهم بالإيمان والهداية ولما راعوا الأدب أولاً وأظهروا ما يدل على رغبتهم في ذلك ‏{‏قال‏}‏ يعني قال لهم موسى ‏{‏ألقوا‏}‏ يعني أنتم فقدمهم على نفسه في الإلقاء‏.‏

فإن قلت كيف جاز لموسى أن يأمر بالإلقاء وقد علم انه سحر وفعل السحر غير جائز‏؟‏

قلت‏:‏ ذكر العلماء رحمهم الله تعالى في أجوبة أحدها أن معناه إن كنتم محقين في فعلكم فألقوا وإلا فلا تلقوا‏.‏

الجواب الثاني‏:‏ إنما أمرهم بالإلقاء لتظهر معجزته لأنهم إذا لم يلقوا حبالهم وعصيهم لم تظهر معجزة موسى في عصاه‏.‏

الجواب الثالث‏:‏ أن موسى علم أنهم لا بد أن يلقوا تلك الحبال والعصي وإنما وقع التخيير في التقديم والتأخير فأذن لهم في التقديم لتظهر معجزته أيضاً بغلبهم لأنه لو ألقى أولاً لم يكن له غلب وظهور عليهم فلهذا المعنى أمرهم بالإلقاء أولاً ‏{‏فلما ألقوا‏}‏ يعني حبالهم وعصيهم ‏{‏سحروا أعين الناس‏}‏ يعني صرفوا أعين الناس عن إدراك حقيقة ما فعلوا من التمويه والتخييل وهذا هو السحر وهذا هو الفرق بين السحر الذي هو فعل البشر وبين معجزة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام التي هي فعل الله وذلك لأن السحر قلب الأعين وصرفها عن إدراك ذلك الشيء والمعجزة قلب نفس الشيء عن حقيقته كقلب عصا موسى عليه الصلاة والسلام حية تسعى ‏{‏واسترهبوهم‏}‏ يعني أرهبوهم وأفزعوهم بما فعلوه من السحر وهذا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وجاؤوا‏}‏ يعني السحرة ‏{‏بسحر عظيم‏}‏ وذلك انهم ألقوا حبالاً غلاظاً وخشباً طوالاً فإذا هي حيات كأمثال الجبال قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضاً، ويقال‏:‏ إنهم ألقوا حبالاً غلاظاً وخشباً طوالاً فغذا هي حيات كأمثال الجبال قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضاً، ويقال‏:‏ إنهم طلوا تلك الحبال بالزئبق وجعلوا داخل تلك العصي زئبقاً أيضاً وألقوها على الأرض فلما أثر الشمس فيها تحركت والتوى بعضها على بعض حتى تخيل للناس أنها حيات‏.‏

ويقال‏:‏ إن الأرض كانت سعتها ميلاً فصارت كلها حيات وأفاعي ففزع الناس من ذلك وأوجس في نفسه خيفة موسى وهذه الخيفة لم تحصل لموسى عليه الصلاة والسلام لأجل سحرهم لأنه عليه الصلاة والسلام كان على يقين وثقة الله تعالى أنهم لن يغلبوه وهو غالبهم وكان عالماً بأن كل ما أتوا به على وجه المعارضة لمعجزته فهو من باب السحر والتخييل وذلك باطل ومع هذا الجزم يمتنع حصول الخوف لموسى من ذلك بل كان خوفه عليه الصلاة والسلام لأجل فزع الناس واضطرابهم مما رأوا من أمر تلك الحيات فخاف موسى عليه الصلاة والسلام أن يتفرقوا قبل ظهور معجزته وحجته فلذلك أوجس في نفسه خيفة موسى‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأوحينا إلى موسى أن ألقِ عصاك‏}‏ يعني فألقاها ‏{‏فإذا هي تلقف‏}‏ يعني تبتلع ‏{‏ما يأفكون‏}‏ يعني ما يكذب فيه السحرة لأن أصل الإفك قلب الشيء عن غير وجهه ومنه قيل للكذاب أفّاك لأنه يقلب الكلام عن وجه الصحيح إلى الباطل‏.‏ قال المفسرون‏:‏ أوحى الله عز وجل إلى موسى عليه الصلاة والسلام أن لا تخف وألق عصاك فألقاها فصارت حية عظيمة حتى سدت الأفق‏.‏ قال ابن زيد‏:‏ كان اجتماعهم بالإسكندرية فيقال بلغ ذنب الحية من وراء البحر ثم فتحت فاها ثمانين ذراعاً فإذا هي تلقف يعني تبتلع كل شيء أتوا به من السحر فكانت تبتلع حبالهم وعصيهم واحداً واحداً حتى ابتلعت الكل وقصدت القوم الذين حضروا ذلك المجمع ففزعوا ووقع الزحام بينهم فمات من ذلك الزحام خمسة وعشرون ألفاً ثم أخذها موسى عليه السلام فصارت في يده عصا كما كانت أول مرة فلما رأى السحرة ذلك عرفوا أنه من أمر السماء وليس بسحر وعرفوا أن ذلك ليس من قدرة البشر وقوتهم فعند ذلك خروا سجَّداً وقالوا‏:‏ آمنا برب العالمين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏118- 125‏]‏

‏{‏فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏118‏)‏ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ ‏(‏119‏)‏ وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ ‏(‏120‏)‏ قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏121‏)‏ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ ‏(‏122‏)‏ قَالَ فِرْعَوْنُ آَمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ‏(‏123‏)‏ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ‏(‏124‏)‏ قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ ‏(‏125‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فوقع الحق‏}‏ يعني فظهر الحق الذي جاء به موسى ‏{‏وبطل ما كانوا يعملون‏}‏ يعني من السحر وذلك أن السحرة قالوا لو كان ما صنع موسى سحراً لبقيت حبالنا وعصينا فلما نفدت وتلاشت في عصا موسى علموا أن ذلك من أمر الله وقدرته ‏{‏فغلبوا هنالك‏}‏ يعني فعند ذلك غلب فرعون وسحرته وجموعه ‏{‏وانقلبوا صاغرين‏}‏ يعني ورجعوا ذليلين مقهورين ‏{‏وألقى السحرة ساجدين‏}‏ يعني أن السحرة لما عاينوا من عظيم قدرة الله تعالى ما ليس في قدرتهم مقابلته وعلموا أنه ليس بسحر خروا لله ساجدين وذلك أن الله عز وجل ألهمهم معرفته والإيمان به ‏{‏قالوا آمنا برب العالمين‏}‏ فقال فرعون إياي تعنون فقالوا بل ‏{‏رب موسى وهارون‏}‏ قال مقاتل‏:‏ قال موسى لكبير السحرة تؤمن بي إن غلبتك فقال لآتينّ بسحر لا يغلبه سحر ولئن غلبتني لأومنن بك، وقيل‏:‏ إن الحبال والعاصي التي كانت مع السحرة كانت حمل ثلاثمائة بعير فلما ابتلعتها عصا موسى كلها قال بعضهم لبعض هذا أمر خارج عن حد السحر وما هو إلا من أمر السماء فآمنوا به وصدقوه‏.‏

فإن قلت كان يجب أن يأتوا بالإيمان قبل السجود فما فائدة تقديم السجود على الإيمان‏.‏

قلت‏:‏ لما قذف الله عز وجل في قلوبهم الإيمان والمعرفة خروا سجداً لله تعالى شكراً على هدايتهم إليه وعلى ما ألهمهم الله من الإيمان بالله وتصديق رسوله ثم أظهروا بعد ذلك إيمانهم‏.‏ وقيل‏:‏ لما رأوا عظيم قدرة الله تعالى وسلطانه في أمر العصا وأنه ليس يقدر على ذلك أحد من البشر وزالت كل شبهة كانت في قلوبهم بادروا إلى السجود لله تعظيماً لشأنه لما رأوا من عظيم قدرته ثم إنهم أظهروا الإيمان باللسان‏.‏ قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما‏:‏ لما رأت السحرة ما رأت عرفت أن ذلك من أمر السماء وليس بسحر فخّروا سجّداً وقالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم‏}‏ يعني فرعون للسحرة آمنتم بموسى وصدقتموه قبل أن آمركم به وآذن لكم فيه ‏{‏إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة‏}‏ يعني إن هذا الصنع الذي صنعتموه أنتم وموسى في مدينة مصر قبل خروجكم إلى هذا الموضع وذلك أن فرعون رأى موسى يحدث كبير السحرة فظن فرعون أن موسى وكبير السحرة قد تواطآ عليه وعلى أهل مصر وهو قوله ‏{‏لتخرجوا منها أهلها‏}‏ وتستولوا عليها أنتم ‏{‏فسوف تعلمون‏}‏ فيه وعيد وتهديد يعني‏:‏ فسوف تعلمون ما أفعل بكم ثم فسر ذلك الوعيد فقال ‏{‏لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف‏}‏ وهو أن تقطع إحدى اليدين وإحدى الرجلين فيخالف بينهما في القطع ‏{‏ثم لأصلبنكم أجمعين‏}‏ يعني على شاطئ نيل مصر‏.‏ قال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ أول من صلب وأول من قطع الأيدي والأرجل فرعون ‏{‏قالوا‏}‏ يعني مجيبين لفرعون حين وعدهم بالقتل ‏{‏إنا إلى ربنا منقلبون‏}‏ إنا إلى ربنا راجعون وإليه صائرون في الآخرة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏126- 128‏]‏

‏{‏وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا بِآَيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ ‏(‏126‏)‏ وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآَلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ ‏(‏127‏)‏ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ‏(‏128‏)‏‏}‏

‏{‏وما تنقم منا‏}‏ وما تكره منا وما تطعن علينا وقال عطاء‏:‏ معناه وما لنا عندك من ذنب تعذبنا عليه ‏{‏إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا‏}‏ ثم فزعوا إلى الله تعالى وسألوه الصبر على تعذيب فرعون إياهم فقالوا ‏{‏ربنا أفرغ علينا صبراً‏}‏ أي اصبب علينا صبراً كاملاً تاماً ولهذا أتى بلفظ التنكير يعني صبراً وأي صبر عظيم ‏{‏وتوفنا مسلمين‏}‏ يعني واقبضنا على دين الإسلام وهو دين خليلك إبراهيم عليه الصلاة والسلام، قال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ كانوا في أول النهار سحرة وفي آخر النهار شهداء‏.‏ قال الكلبي‏:‏ إن فرعون قطع أيديهم وأرجلهم وصلبهم غير أنه لم يقدر عليهم لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون‏}‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى‏}‏ يعني وقال جماعة من أشراف قوم فرعون لفرعون أتدع موسى ‏{‏وقومه‏}‏ من بني إسرائيل ‏{‏ليفسدوا في الأرض‏}‏ يعني أرض مصر وأراد بالإفساد فيها أنهم يأمرونهم بمخالفة فرعون وهو قوله ‏{‏ويذرك وآلهتك‏}‏ يعني وتذره ليذرك ويذر آلهتك فلا يعبدك ولا يعبدها‏.‏ قال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ كان لفرعون بقرة كان يعبدها وكان إذا رأى بقرة حسنة أمرهم بعبادتها ولذلك أخرج لهم السامري عجلاً‏.‏ وقال السدي‏:‏ كان فرعون قد اتخذ لقومه أصناماً وكان يأمرهم بعبادتها وقال لهم أنا ربكم ورب هذه الأصنام وذلك قوله أنا ربكم الأعلى والأولى أن يقال إن فرعون كان دهرياً منكر الوجود الصانع فكان يقول مدبر هذا العالم السفلي هي الكواكب فاتخذ أصناماً على صورة الكواكب وكان يعبدها ويأمر بعبادتها وكان يقول في نفسه إنه هو المطاع والمخدوم في الأرض فلهذا قال أنا ربكم الأعلى وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه وابن عباس والشعبي والضحاك ويذرك وإلهتك بكسر الألف ومعناه ويذرك وعبادتك فلا يعبدك لأن فرعون كان يعبد ولا يعبد وقيل أراد بالآلهة الشمس والكواكب لأنه كان يعبدها قال الشاعر‏:‏

تروحنا من اللعباء قصراً *** وأعجلنا الإلاهة أن تؤوبا

أراد بالإلاهة الشمس ‏{‏قال‏}‏ يعني فرعون مجيباً لقومه حين قالوا له أتذر موسى وقومه ‏{‏سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم‏}‏ يعني نتركهن أحياء‏.‏

وذلك أن قوم فرعون لما أرادوا إغراء فرعون على قتل موسى وقومه أوجس موسى إنزال العذاب بقومه ولم يقدر فرعون أن يفعل بموسى عليه الصلاة والسلام شيئاً مما أرادوا به لقوة موسى عليه السلام بما معه من المعجزات فعدل إلى قومه فقال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم‏.‏

وقال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ كان قد ترك القتل في بني إسرائيل بعد ما ولد موسى فلما جاءهم موسى بالرسالة وكان من أمره ما كان قال فرعون‏:‏ أعيدوا عليهم القتل فأعادوا القتل على بني إسرائيل، والمعنى أن فرعون قال إنما يتقوى موسى بقومه فنحن نسعى في تقليل عدد قومه بالقتل لتقلَّ شوكته، ثم بين فرعون أنه قادر على ذلك بقوله ‏{‏وإنا فوقهم قاهرون‏}‏ يعني بالغلبة والقدرة عليهم ولما نزل ببني إسرائيل ما نزل شكوا إلى موسى ما نزل بهم ‏{‏قال موسى لقومه‏}‏ يعني لما شكوا إليه ‏{‏استعينوا بالله واصبروا‏}‏ يعني استعينوا بالله على فرعون وقومه فيما نزل بكم من البلاء فإن الله هو الكافي لكم واصبروا على ما نالكم من المكاره في أنفسكم وأبنائكم ‏{‏إن الأرض لله‏}‏ يعني أرض مصر وإن كانت الأرض كلها لله تعالى ‏{‏يورثها من يشاء من عباده‏}‏ وهذا إطماع من موسى عليه الصلاة والسلام لبني إسرائيل أن يهلِك فرعون وقومه ويملك بني إسرائيل أرضهم وبلادهم بعد إهلاكهم وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والعاقبة للمتقين‏}‏ يعني أن النصر والظفر للمتقين على عدوهم، وقيل أراد الجنة يعني إن عاقبة المتقين الصابرين الجنة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏129- 131‏]‏

‏{‏قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ‏(‏129‏)‏ وَلَقَدْ أَخَذْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ‏(‏130‏)‏ فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏131‏)‏‏}‏

‏{‏قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا‏}‏ قال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ لما آمنت السحرة تبع موسى ستمائة ألف من بني إسرائيل والمعنى أن بني إسرائيل لام سمعوا ما قاله فرعون ووعدهم به من القتل مرة ثانية قالوا لموسى قد أوذينا من قبل أن تأتينا يعني بالرسالة وذلك أن بني إسرائيل كانوا مستضعفين في يد فرعون وقومه وكان يستعملهم في الأعمال الشاقة إلى نصف النهار فلما جاء موسى بالرسالة وجرى ما جرى شدد فرعون في استعمالهم فكان يستعملهم جميع النهار وأعاد القتل عليهم فقالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا يعني بالرسالة وظاهر هذا الكلام يوهم أن بني إسرائيل كرهوا مجيء موسى بالرسالة وذلك كفر‏.‏

والجواب عن هذا الإيهام أن موسى عليه الصلاة والسلام كان قد وعدهم بزوال ما كانوا فيه من الشدة والمشقة فظنوا أن ذلك يكون على الفور فلما رأوا أنه قد زادت الشدة عليهم قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا فمتى يكون ما وعدتنا به من زوال ما نحن فيه ‏{‏قال‏}‏ موسى مجيباً لهم ‏{‏عسى ربكم أن يهلك عدوكم‏}‏ يعني فرعون وقومه ‏{‏ويستخلفكم في الأرض‏}‏ يعني ويجعلكم تخلفونهم في أرضهم بعد هلاكهم ‏{‏فينظر كيف تعملون‏}‏ يعني فيرى ربكم كيف تعملون من بعدهم‏.‏ قال الزجاج‏:‏ فيرى وقوع ذلك منهم لأن الله تعالى لا يجازيهم بما يعلمه منهم وإنما يجازيهم على ما يقع منهم‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين‏}‏ يعني بالقحط والجدب‏.‏ تقول العرب‏:‏ مستهم السنة بمعنى أخذهم الجدب في السنة ويقال أسنتوا كما يقال أجدبوا قال الشاعر‏:‏

ورجال مكة مسنتون عجاف *** ومنه قوله صلى الله عليه وسلم «اللهم اجعلها عليهم سنين كسنيّ يوسف» ومعنى الآية‏:‏ ولقد أخذنا آل فرعون بالجدب والقحط والجوع سنة بعد سنة ‏{‏ونقص من الثمرات‏}‏ يعني وإتلاف الغلات بالآفات‏.‏ قال قتادة أما السنون فلأهل البوادي وأما نقص الثمرات فلأهل الأمصار ‏{‏لعلهم يذكرون‏}‏ يعين لعلهم يتعظون فيرجعوا عما هم فيه من الكفر والمعاصي وذلك لأن الشدة ترقق القلوب وترغب فيما عند الله عز وجل من الخير، ثم بين الله تعالى أنهم عند نزول العذاب وتلك المحن عليهم والشدة لم يزدادوا إلا تمرداً وكفراً فقال تعالى‏:‏ ‏{‏فإذا جاءتهم الحسنة‏}‏ يعني الغيث والخصب والسعة والعافية والسلامة من الآفات ‏{‏قالوا لنا هذه‏}‏ أي نحن مستحقون لها ونحن أهلها على العادة التي جرت لنا في سعة الأرزاق وصحة الأبدان ولم يروا ذلك من فضل الله عليهم فيشكروه على إنعامه ‏{‏وإن تصبهم سيئة‏}‏ يعني القحط والجدب والمرض والبلاء ورأوا ما يكرهون في أنفسهم ‏{‏يطيروا‏}‏ يعني يتشاءموا وأصله يتطيروا والتطير التشاؤم في قول جميع المفسرين ‏{‏بموسى ومن معه‏}‏ يعني أنهم قالوا ما أصابنا بلاء إلا حين رأيناهم وما ذلك إلا بشؤم موسى وقومه‏.‏

قال سعيد بن جبير ومحمد بن المنكدر‏:‏ كان ملك فرعون أربعمائة سنة وعاش ستمائة وعشرين وسنة لم يروا مكروهاً قط ولو كان حصل له في تلك المدة جوع يوم أو حمى ليلة أو وجع ساعة لما ادعى الربوبية قط ‏{‏ألا إنما طائرهم عند الله‏}‏ يعني أن نصيبهم من الخصب والجدب والخير والشر كله من الله قال ابن عباس رضي الله عنهما طائرهم ما قضي لهم وقدر عليهم من عند الله وفي رواية عنه شؤمهم عند الله تعالى ومعناه أنه إنما جاءهم بكفرهم بالله وقيل الشؤم العظيم هو الذي لهم عند الله من عذاب النار ‏{‏ولكن أكثرهم لا يعلمون‏}‏ يعني أن ما أصابهم من الله تعالى وإنما قال تعالى وإنما قال أكثرهم لا يعلمون لأن أكثر الخلق يضيفون الحوادث إلى الأسباب ولا يضيفونها إلى القضاء والقدر‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏132- 133‏]‏

‏{‏وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آَيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ‏(‏132‏)‏ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آَيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ ‏(‏133‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقالوا‏}‏ يعني قوم فرعون وهم القبط لموسى عليه السلام ‏{‏مهما تأتنا به من آية‏}‏ يعني من عند ربك فهي عندنا سحر وهو قولهم ‏{‏لتسحرنا بها‏}‏ يعني لتصرفنا عما نحن عليه من الدين ‏{‏فما نحن لك بمؤمنين‏}‏ يعني بمصدّقين وكان موسى عليه الصلاة والسلام رجلاً حديداً مستجاب الدعوة فدعا عليهم فاستجاب الله عز وجل دعاءه فقال تعالى ‏{‏فأرسلنا عليهم الطوفان‏}‏ قال ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير وقتادة ومحمد بن إسحاق‏:‏ دخل كلام بعضهم في بعض قالوا لما آمنت السحرة ورجع فرعون مغلوباً أبى هو وقومه إلا الإقامة على الكفر والتمادي في الشر فتابع الله عز وجل عليهم الآيات فأخذهم أولاً بالسنين وهو بالقحط ونقص الثمرات وأراهم قبل ذلك من المعجزات اليد والعصا فلم يؤمنوا فدعا عليهم موسى وقال‏:‏ يا رب إن عبدك فرعون علا في الأرض وبغى وعتا وإن قومه قد نقضوا العهد رب فخذهم بعقوبة تجعلها عليهم نقمة ولقومي عظة ولمن بعدهم آية وعبرة فبعث الله عليهم الطوفان وهو الماء فأرسل الله عليهم المطر من السماء وبيوت بني إسرائيل وبيوت القبط مختلفة مشتبكة فامتلأت بيوت القبط حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم ومن جلس منهم غرق ولم يدخل من ذلك الماء في بيوت إسرائيل شيء وركد الماء على أرضهم فلم يقدروا على التحرك ولم يعلموا شيئاً ودام ذلك الماء عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت‏.‏

وقال مجاهد وعطاء‏:‏ الطوفان الموت‏.‏ وقال وهب‏:‏ الطوفان الطاعون بلغة أهل اليمن‏.‏

وقال أبو قلابة‏:‏ الطوفان الجدري وهم أول من عذبوا به ثم بقي في الأرض‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ الطوفان الماء طفا فوق حروثهم‏.‏ وفي رواية ابن عباس رضي الله عنهما أن الطوفان أمر من الله عز وجل طاف بهم فعند ذلك قالوا يا موسى ادع لنا ربك ليكشف عنا هذا المطر ونحن نؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل فدعا موسىعليه الصلاة والسلام ربه فرفع عنهم الطوفان وأنبت الله لهم تلك السنة شيئاً لم ينبته قبل ذلك من الكلأ والزرع والثمر وأخصبت بلادهم فقالوا ما كان هذا الماء إلا نعمة علينا فلم يؤمنوا وأقاموا شهراً في عافية فبعث الله عليهم الجراد فأكل عامة زرعهم وثمارهم وورق الشجرة وأكل الأبواب وسقوف البيوت والخشب والثياب والأمتعة وأكل مسامير الحديد التي في الأبواب وغيرها وابتلي الجراد بالجوع فكان لا يشبع وامتلأت دور القبط منه ولم يصب بني إسرائيل من ذلك شيء فعجوا وضجوا وقالوا يا موسى ادع لنا ربك لئن كشفت عنا هذا الرجز لنؤمنن لك وأعطوه عهد الله وميثاقه بذلك فدعاء موسى ربه عز وجل فكشف الله عنهم الجراد بعد ما أقام عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت وفي الخبر «مكتوب على صدر كل جرادة جند الله الأعظم» ويقال إن موسى عليه السلام خرج إلى الفضاء فأشار بعصاه نحو المشرق فرجع الجراد من حيث جاء وكان قد بقي من زروعهم وثمارهم بقية فقالوا قد بقي لنا ما هو كافينا فما نحن بتاركي ديننا فلم يؤمنوا ولم يفوا بما عاهدوا عليه وعادوا إلى أعمالهم الخبيثة أقاموا شهراً في عافية ثم بعث الله عز وجل عليهم القمل واختلفوا فيه فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن القمل هو السوس الذي يخرج من الحنطة‏.‏

وقال مجاهد وقتادة والسدي والكلبي‏:‏ القمل الدبي وهو صغار الجراد الذي لا أجنحة له‏.‏ وقال الحسن‏:‏ يقرأ بفتح القاف وسكون الميم‏.‏ قال أصحاب الأخبار أمر الله عز وجل موسى عليه السلام أن يمشي إلى كثيب رملي أعفر بقرية من قرى مصر تسمى عين شمس فمشى إلى ذلك الكثيب فضربه بعصاه فانهال عليهم القمل فتتبع ما بقي من حروثهم وزروعهم وثمارهم فأكلها كلها ولحس الأرض وكان يدخل بين ثوب أحدهم وجلده فيعضه فإذا أكل أحدهم طعاماً امتلأ قملاً‏.‏ قال سعيد بن المسيب‏:‏ القمل السوس الذي يخرج من الحبوب وكان الرجل منهم يخرج بعشرة أجربة إلى الرحى فلا يرد منها ثلاثة أقفزة فلم يصابوا ببلاء كان أشد عليهم من القمل وأخذت أشعارهم وأبصارهم وحواجبهم وأشفار عيونهم ولزم فدعا موسى فرفع الله عنهم القمل بعد ما أقام عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت فمكثوا بعد ذلك ورجعوا إلى أخبث ما كانوا عليه من الأعمال الخبيثة وقالوا ما كنا قط أحق أن نستيقن أنه ساحر من اليوم يجعل الرمل دواباً فدعا موسى عليهم ما أقاموا شهراً في عافية فأرسل الله عليهم الضفادع فامتلأت منها بيوتهم وأطعمتهم وآنيتهم فلا يكشف أحد إناء ولا طعاماً إلا وجد فيه الضفادع وكان الرجل منهم يجلس في الضفادع فتبلغ إلى حلقه فإذا أراد أن يتكلم يثب الضفدع فيدخل في فيه وكانت تثب في قدورهم فتفسد طعامهم عليهم وتطفئ نيرانهم وكان أحدهم إذا اضطجع ركبته الضفادع حتى تكون عليه ركاماً فلا يستطيع أن ينقلب إلى شقه الآخر وإذا أراد أن يأكل سبقه الضفدع إلى فيه ولا يعجن أحدهم عجيناً إلا امتلأ ضفادع فلقوا من ذلك بلاء شديداً‏.‏

وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كانت الضفادع برية فلما أرسلها الله عز وجل على آل فرعون وسمعت وأطاعت وجعلت تقذف بأنفسها في القدور وهي تغلي على النار وفي التنانير وهي تفور أثابها الله عز وجل بحسن طاعتها برد الماء فلما رأوا ذلك بكوا وشكوا إلى موسى عليه الصلاة والسلام ما يلقونه من الضفادع وقالوا هذه المرة نتوب ولا نعود فأخذ موسى عليه السلام عليهم العهود والمواثيق ثم دعا الله عز وجل فكشف عنهم الضفدع بعد ما أقامت عليهم سبعاً من السبت إلى السبت فأقاموا شهراً في عافية ثم نقضوا العهد وعادوا إلى كفرهم فدعا عليهم موسى عليه الصلاة ولسلام فأرسل الله عز وجل الدم فسال النيل عليهم دماً عبيطاً وصارت مياههم كلها دماً وكل ما يستقون من الآبار والأنهار يجدونها دماً عبيطاً فشكوا ذلك إلى فرعون وقالوا‏:‏ ليس لنا شراب إلا الدم، فقال‏:‏ سحركم‏.‏

فقالوا‏:‏ من أين يسحرنا ونحن لا نجد في أوعيتنا شيئاً من الماء إلا دماً عبيطاً‏.‏ فكان فرعون يجمع بين القبطي والإسرائيلي على إناء واحد فيكون ما يلي الإسرائيلي ماء وما يلي القبطي دماً ويفرغان الجرة فيها الماء فيخرج للقبطي دم وللإسرائيلي ماء حتى أن المرأة من آل فرعون تأتي إلى المرأة من بني إسرائيل حين جهدهم العطش فتقول لها اسقني من مائك فتصب لها في قربتها فيصير في الإناء ماء حتى كانت تقول اجعليه في فيك ثم مجيه في فمي فتفعل ذلك فيصير دماً ثم إن فرعون اعتراه العطش حتى أنه ليضطر إلى مضغ الأشجار الرطبة فإذا مضغها صار ماؤها دماً فمكثوا على ذلك سبعة أيام لا يشربون إلا الدم‏.‏ وقال زيد بن أسلم‏:‏ إن الدم الذي سلط الله عز وجل عليهم كان الرعاف فأتوا موسى صلى الله عليه وسلم وشكوا إليه ما يلقوه وقالوا ادع لنا ربك يكشف عنا هذا الدم فنحن نؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل فدعا موسى عليه الصلاة والسلام ربه فكشف عنهم ذلك فلم يؤمنوا فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات‏}‏ يعني يتبع بعضها بعضاً وتفصيلها أن كل عذاب كان يقوم عليهم أسبوعاً وبين كل عذابين مدة شهر ‏{‏فاستكبروا‏}‏ يعني عن الإيمان فلم يؤمنوا ‏{‏وكانوا قوماً مجرمين‏}‏ يعني آل فرعون‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏134- 136‏]‏

‏{‏وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏(‏134‏)‏ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ ‏(‏135‏)‏ فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ‏(‏136‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولما وقع عليهم الرجز‏}‏ يعني لما نزل بهم العذاب الذي ذكره في الآية المتقدمة هو الطوفان وما بعده وقال سعيد بن جبير الرجز الطاعون وهو العذاب السادس بعد الآيات الخمس التي تقدمت فنزل بهم الطاعون حتى مات منهم في يوم واحد سبعون ألفاً فأمسوا وهم لا يتدافنون ‏(‏ق‏)‏‏.‏ عن أبي أسامة بن زيد قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الطاعون رجز أرسل على طائفة من بين إسرائيل أو على من كان قبلكم فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه»

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك‏}‏ يعني بما أوصاك وقيل بما عهد عندك من إجابة دعوتك ‏{‏لئن كشفت عنا الرجز‏}‏ يعني العذاب الذي وقع بنا ‏{‏لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل‏}‏ حتى يذهبوا حيث شاؤوا ‏{‏فلما كشفنا عنهم الرجز‏}‏ يعني بدعوة موسى عليه الصلاة والسلام ‏{‏إلى أجل هم بالغوه‏}‏ يعني إلى الوقت الذي أجل لهم وهو وقت إهلاكهم بالغرق في اليم ‏{‏إذا هم ينكثون‏}‏ يعني إذا هم ينقضون العهد الذي التزموه فلم يفوا به‏.‏

واعلم أن ما ذكره الله تعالى في هذه الآيات هي معجزات في الحقيقة دالة على صدق موسى عليه الصلاة والسلام ووجه ذلك أن العذاب كان مختصاً بآل فرعون دون بني إسرائيل فاختصاصه بالقبطي دون الإسرائيلي معجز وكون بني إسرائيل في أمان منه وعافية وقوم فرعون في شدة وعذاب وبلاء مع اتحاد المساكن معجز أيضاً‏.‏

فإن اعترض معترض وقال إن الله تعالى علم من حال آل فرعون أنهم لا يؤمنون بتلك المعجزات فما الفائدة في تواليها عليهم وإظهار الكثير منها‏.‏

فالجواب على مذهب أهل السنة إن الله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا يُسأل عما يفعل وأما على قول المعتزلة في رعاية المصلحة فلعله تعالى علم من قوم فرعون أن بعضهم كان يؤمن بتوالي تلك المعجزات وظهورها فلهذا السبب والاها عليهم والله أعلم بمراده‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏فانتقمنا منهم‏}‏ يعني كافأناهم عقوبة لهم سوء صنيعهم‏.‏ وأصل الانتقام في اللغة سلب النعمة بالعذاب ‏{‏فأغرقناهم في اليم‏}‏ والمعنى أنه تعالى لما كشف عنهم العذاب مرات فلم يؤمنوا ولم يرجعوا عن كفرهم فلما بلغوا الأجل الذي أجل لهم انتقم منهم بأن أهلكهم بالغرق فذلك قوله فأغرقناهم في اليم يعني البحر واليم الذي لا يدرك قعره وقيل هو لجة جر البحر ومعظم مائه‏.‏ قال الزهري‏:‏ اليم معروف لفظه سريانية عربتها العرب ويقع اسم على البحر الملح والبحر العذب ويدل على ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاقذفيه في اليم‏}‏ والمراد به نيل مصر وهو عذب ‏{‏بأنهم كذبوا بآياتنا‏}‏ يعني أهلكناهم وأغرقناهم بسبب أنهم كذبوا بآياتنا الدالة على وحدانيتنا وصدق نبينا ‏{‏وكانوا عنها‏}‏ يعني عن آياتنا ‏{‏غافلين‏}‏ يعني معرضين وقيل كانوا على حلول النقمة بهم غافلين‏.‏

ولما كان الإعراض عن الآيات وعدم الالتفات إليها كالغفلة عنها سموا غافلين تجوزاً لأن الغفلة ليست من فعل الإنسان‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏137- 140‏]‏

‏{‏وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ ‏(‏137‏)‏ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ‏(‏138‏)‏ إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏139‏)‏ قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ‏(‏140‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون‏}‏ يعني ومكنّا القوم الذين كانوا يقهرون ويغلبون على أنفسهم وهو أن فرعون وقومه كانوا قد تسلطوا على بني إسرائيل فقتلوا أبناءهم واستخدموهم فصيروهم مستضعفين تحت أيديهم ‏{‏مشارق الأرض ومغاربها‏}‏ يعني أرض الشام ومصر وأراد بمشارقها ومغاربها جميع جهاتها ونواحيها‏.‏ وقيل‏:‏ أراد بمشارق الأرض ومغاربها الأرض المقدسة وهو بيت المقدس وما يليه من الشرق والغرب‏.‏ وقيل‏:‏ أراد جميع جهات الأرض وهو اختيار الزجاج قال‏:‏ لأن داود وسليمان صلوات الله وسلامه عليهما كانا من بني إسرائيل وقد ملكا الأرض‏.‏

وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏التي باركنا فيها‏}‏ يدل على أنها الأرض المقدسة يعني باركنا فيها بالثمار والأشجار والزروع والخصب والسعة ‏{‏وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل‏}‏ يعني وتمت كلمة الله وهي وعدهم بالنصر على عدوهم والتمكين في الأرض من بعدهم وقيل كلمة الله هي قوله ‏{‏ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض‏}‏ الآية والحسنى صفة للكلمة وهي تأنيث الأحسن وتمامها إنجاز ما وعدهم به من تمكينهم في الأرض وإهلاك عدوهم ‏{‏بما صبروا‏}‏ يعني إنما حصل لهم ذلك التمام وهو ما أنعم الله تعالى بهم عليهم من إنجاز وعده لهم بسبب صبرهم على دينه وأذى فرعون لهم ‏{‏ودمرنا‏}‏ يعني وأهلكنا والدمار الهلاك باستئصال ‏{‏ما كان يصنع فرعون وقومه‏}‏ في أرض مصر من العمارات والبينان ‏{‏وما كانوا يعرشون‏}‏ يعني يسقفون من ذلك البنيان وقال مجاهد‏:‏ ما كانوا يبنون من البيوت والقصور‏.‏ وقال الحسن‏:‏ وما كانوا يعرشون من الثمار والأعناب‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وجاوزنا ببني إسرائيل البحر‏}‏ يعني وقطعنا ببني إسرائيل البحر بعد إهلاك فرعون وقومه وإغراقهم فيه يقال جاز الوادي وجاوزه إذا قطعه وخلفه وراء ظهره‏.‏

وقال الكلبي عبر موسى البحر يوم عاشوراء بعد مهلك فرعون وقومه فصامه شكراً لله تعالى‏:‏ ‏{‏فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم‏}‏ يعني فمر بنو إسرائيل بعد مجاوزة البحر على قوم يعكفون أي يقيمون ويواظبون على أصنام لهم يعني تماثيل لهم كانوا يعبدونها من دون الله‏.‏ قال ابن جريج‏:‏ كانت تلك الأصنام تماثيل بقر وذلك أول شان العجل‏.‏ وقال قتادة‏:‏ كان أولئك القوم من لخم وكانوا نزولاً بالرقة يعني بالرقة ساحل البحر وقيل كان أولئك الأقوام من الكنعانيين الذين أمر موسى عليه الصلاة والسلام بقتالهم ‏{‏قالوا‏}‏ يعني قال بنو إسرائيل لموسى لما رأوا ذلك التمثال ‏{‏يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة‏}‏ يعني كما لهم أصنام يعبدونها ويعظمونها فاجعل لنا أنت إلهاً نعبده ونعظمه‏.‏ قال البغوي رحمه الله‏:‏ ولم يكن ذلك شكاً من بني إسرائيل في وحدانية الله تعالى وإنما معناه اجعل لنا شيئاً نعظمه ونتقرب بتعظيمه إلى الله تعالى وظنوا أن ذلك لا يضر الديانة وكان ذلك لشدة جهلهم وقال غيره هذا يدل على غاية جهل بني إسرائيل وذلك أنهم توهموا أنه يجوز عبادة غير الله تعالى بعد ما رأوا الآيات الدالة على وحدانية الله تعالى وكمال قدرته وهي الآيات التي توالت على قوم فرعون حتى أغرقهم الله تعالى في البحر بكفرهم وعبادتهم غير الله تعالى فحملهم جهلهم على أن قالوا لنبيهم موسى عليه الصلاة والسلام اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة فرد عليهم موسى عليه الصلاة والسلام بقوله ‏{‏قال إنكم قوم تجهلون‏}‏ يعني تجهلون عظمة الله تعالى وأنه لا يستحق أن يعبد سواه لأنه هو الذي أنجاكم من فرعون وقومه فأغرقهم في البحر وأنجاكم منه‏.‏

عن أبي واقد الليثي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى غزوة حنين مر بشجرة للمشركين كانوا يعلقون عليها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط فقالوا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «سبحان الله هذا كما قال قوم موسى اجعل إلهاً كما لهم آلهة والذي نفسي بيده لتركبن سنن مَن كان قبلكم» أخرجه الترمذي‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن هؤلاء متبرٍ ما هم فيه‏}‏ أي مهلك والتتبير الإهلاك ‏{‏وباطل ما كانوا يعلمون‏}‏ البطلان عبارة عن عدم الشيء إما بعدم ذاته أو بعدم فائده ونفعه والمراد من بطلان عملهم أنه لا يعود عليهم من ذلك العمل نفع ولا يدفع عنهم ضراً لأنه عمل لغير الله تعالى فكان باطلاً لا نفع فيه ‏{‏قال أغير الله أبغيكم إلهاً‏}‏ لما قال بنو إسرائيل لموسى عليه الصلاة والسلام اجعل لنا إلهاً لنا إلهاً كما لهم آلهة حكم عليهم بالجهالة وقال مجيباً لهم على سبيل العجب والإنكار عليهم أغير الله أبغيكم إلهاً يعني أطلب لكم وأبغي لكم إلهاً ‏{‏وهو فضّلكم على العالمين‏}‏ والمعنى أن الإله ليس هو شيئاً يطلب ويلتمس ويتخير بل الإله هو الذي فضلكم على العالمين لأنه القادر على الإنعام والإفضال فهو هذا الذي يستحق أن يعبد ويطاع لا عبادة غيره ومعنى قوله فضلكم على العالمين يعني على عالمي زمانكم وقيل فضلهم بما خصهم به من الآيات الباهرة التي لم تحصل لغيرهم وإن كان غيرهم أفضل منهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏141- 143‏]‏

‏{‏وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ‏(‏141‏)‏ وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ‏(‏142‏)‏ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏143‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلك بلاء من ربكم عظيم‏}‏ هذه الآية تقدم تفسيرها في سورة البقرة، والفائدة في ذكرها في هذا الموضع أنه تعالى هو الذن أنعم عليكم بهذه النعمة العظيمة فكيف يليق بكم الاشتغال بعبادة غيره حتى تقولوا اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وواعدنا موسى ثلاثين ليلة‏}‏ يعني وواعدنا موسى عليه الصلاة والسلام لمناجاتنا ثلاثين ليلة وهي ذو القعدة ‏{‏وأتممناها بعشر‏}‏ يعني عشر ذي الحجة وهذا قول ابن عباس ومجاهد‏.‏ قال المفسرون إن موسى عليه الصلاة والسلام وعد بني إسرائيل إذا أهلك الله تعالى عدوهم فرعون أن يأيتهم بكتاب من عند الله عز وجل فيه بيان ما يأتون وما يذرون فما أهلك الله تعالى فرعون سأل موسى ربه عز وجل أن ينزل عليه الكتاب الذي وعد به بني إسائيل فأمره أن يصوم ثلاثين يوماً فصامها فلما تمت أنكر خلوف فمه فتسوك بعود خرنوب وقيل بل أكل من ورق الشجر فقالت الملائكة كنا نشم من فيك رائحة المسك فأفسدته بالسواك فأمره الله أن يصوم عشر ذي الحجة وقال له أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك فكانت فتنة بني إسرائيل في تلك العشر التي زادها الله عز وجل لموسى عليه الصلاة والسلام وقيل إن الله تعالى أمر موسى عليه الصلاة والسلام أن يصوم ثلاثين يوماً ويعمل فيها ما يتقرب به إلى الله ثم كلمه وأعطاه الألواح في العشر التي زادها فلهذا قال‏:‏ وتممناها بعشر وهذا التفصيل الذي ذكره هنا هو تفصيل ما أجمله في سورة البقرة وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة‏}‏ فذكره هناك على الإجمال وذكره هنا على التفصيل‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فتم ميقات ربه أربعين ليلة‏}‏ يعني فتم الوقت الذي قدره الله لصوم موسى عليه الصلاة والسلام وعبادته أربعين ليلة لأن الميقات هو الوقت الذي قدر أن يعمل فيه عمل من الأعمال ولهذا قيل مواقيت الحج ‏{‏وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي‏}‏ يعني كن أنت خليفتي فيهم من بعدي حتى أرجع إليك ‏{‏وأصلح‏}‏ يعني وأصلح أمور بني إسرائيل واحملهم على عبادة الله تعالى‏.‏ وقال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ يريد الرفق بهم والإحسان إليهم ‏{‏ولا تتبع سبيل المفسدين‏}‏ يعني ولا تسلك طريق المفسدين في الأرض ولا تطعهم والمقصود من هذا الأمر التأكيد لأن هارون عليه الصلاة والسلام لم يكن ممن يتبع سبيل المفسدين فهو كقوله ولكن ليطمئن قلبي وكقولك للقاعد اقعد بمعنى دُم على ما أنت عليه من القعود‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولما جاء موسى لميقاتنا‏}‏ يعني للوقت الذي وقتنا له أن يأتي فيه لمناجاتنا وهو قوله ‏{‏وكلمه ربه‏}‏ وفي هذه الآية دليل على أن الله عز وجل كلم موسى عليه الصلاة والسلام واختلف الناس في كلام الله تعالى فقال الزمخشري كلمه ربه عز وجل من غير واسطة كما يكلم الملك وتكليمه أن يخلق الكلام منطوقاً به في بعض الأجرام كما خلقه مخطوطاً في الألواح هذا كلامه وهذا مذهب المعتزلة ولا شك في بطلانه وفساده لأن الشجرة أو ذلك الجرم لا يقول

‏{‏إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري‏}‏ فثبت بذلك بطلان ما قالوه وذهبت الحنابلة ومن وافقهم إلى أن كلام الله تعالى حروف وأصوات متقطعة وأنه قد تم وذهب جمهور المتكلمين إلى أن كلام الله تعالى صفة مغايرة لهذه الحروف والأصوات وتلك الصفة قديمة أزلية والقائلون بهذا القول قالوا إن موسى عليه الصلاة والسلام سمع تلك الصفة الأزلية الحقيقية وقالوا كما أنه لا يبعد رؤية ذاته وليس جمساً ولا عرضاً كذلك لا يبعد سماع كلامه مع أن كلامه ليس بصوت ولا حرف ومذهب أهل السنة وجمهور العلماء من السلف والخلف إن الله تعالى متكلم بكلام قديم وسكتوا عن الخوض في تأويله وحقيقته‏.‏ قال أهل التفسير والأخبار‏:‏ لما جاء موسى عليه الصلاة والسلام لميقات ربه تطهر وطهر ثيابه وصام ثم أتى طور سيناء وفي القصة أن الله تعالى أنزل ظلة تغشت الجبل على أربع فراسخ من كل ناحية وطرد عنه الشطيان وهو أم الأرض ونحى عنه الملكين وكشط له السماء فرأى الملائكة قياماً في الهواء ورأى العرش بارزاً وأدنى ربه حتى سمع صريف الأقلام على الألواح وكلمه الله تبارك وتعالى وناجاه وأسمعه وكلامه وكان جبريل عليه السلام معه فلم يسمع ما كلم الله تعالى به موسى فاستحلى كلام ربه عز وجل واشتاق إلى رؤيته ‏{‏قال رب أرني أنظر إليك‏}‏ قال الزجاج‏:‏ فيه اختصار تقديره أرني نفسك أنظر إليك وقال ابن عباس معناه أعطني أنظر إليك إنما سأل موسى عليه الصلاة والسلام الرؤية مع علمه بأن الله تعالى لا يرى في الدنيا لما هاج به من الشوق وفاض عليه من أنواع الجلال حتى استغرق في بحر المحبة فعند ذلك سأل الرؤية وقيل إنما سأل الرؤية ظناً منه بأنه تعالى يرى في الدنيا فتعالى الله عن ذلك ‏{‏قال لن تراني‏}‏ يعني ليس لبشر أن يراني في الدنيا ولا يطيق النظر اليّ في الدنيا من نظر إليّ في الدنيا مات فقال موسى عليه الصلاة والسلام‏:‏ إلهي سمعت كلامك فاشتقت إلى النظر إليك ولأن أنظر إليك ثم أموت أحب إليّ من أن أعيش ولا أراك‏.‏ وقال السدي‏:‏ لما كلم الله تعالى موسى عليه الصلاة والسلام غاص عدو لله إبليس الخبيث في الأرض حتى خرج من بين قدمي موسى فوسوس إليه أن مكلمك شيطان عند ذلك سأل موسى عليه الصلاة والسلام ربه الرؤية فقال ‏{‏ربي أرني أنظر إليك‏}‏ قال الله تبارك وتعالى لموسى عليه الصلاة والسلام ‏{‏لن تراني‏}‏‏.‏

‏(‏فصل‏)‏

وقد تمسك من نفي الرؤية من أهل البدع والخوارج والمعتزلة وبعض المرجئة بظاهر هذه الآية وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لن تراني‏}‏ قالوا لن تكون للتأبيد والدوام ولا حجة لهم في ذلك ولا دليل ولا يشهد لهم في ذلك كتاب ولا سنة وما قالوه في أن لن تكون للتأبيد خطأ بين ودعوى على أهل اللغة إذ ليس يشهد لما قالوه نص عن أهل أهل اللغة والعربية ولم يقل به أحد منهم ويدل على صحة ذلك قوله تعالى في صفة اليهود ‏{‏ولن يتمنوه أبداً‏}‏ مع أنهم يتمنون الموت يوم القيامة يدل عليه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك‏}‏ وقوله ‏{‏يا ليتها كانت القاضية‏}‏ فإن قالوا إن لن معناها تأكيد النفي كلا التي تنفي المستقبل قلنا إن صح هذا التأويل فيكون معنى لن تراني محمولاً على الدنيا أي لن تراني في الدنيا جمعاً بين دلائل الكتاب والسنة فإنه قد ثبت في الحديث الصحيح أن المؤمنين يرون ربهم عز وجل يوم القيمة في الدار الآخرة وأيضاً فإن موسى عليه الصلاة والسلام كان عارفاً بالله تعالى وبما يجب ويجوز ويمتنع على الله عز وجل وفي الآية دليل على أنه سأل الرؤية فلو كانت الرؤية ممتنعة على الله تعالى لما سألها موسى عليه الصلاة والسلام فحيث سألها علمنا أن الرؤية جائزة على الله تعالى وأيضاً فإن الله عز وجل علق رؤيته على أمر جائز والمعلق على الجائز جائز فيلزم من ذلك كون الرؤية في نفسها جائزة وإنما قلنا ذلك لأنه تعالى علق رؤيته على استقرار الجبل وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني‏}‏ وهو أمر جائز الوجود في نفسه وإذا كان كذلك ثبت أن رؤيته جائزة الوجود لأن استقرار الجبل غير مستحيل عند التجلي إذا جعل الله تعالى له قوة على ذلك والمعلق بما لا يستحيل لا يكون محالاً والله أعلم بمراده‏.‏

قال وهب ومحمد بن إسحاق‏:‏ لما سأل موسى عليه الصلاة والسلام ربه عز وجل الرؤية أرسل الله الضباب والرياح والصواعق والرعد والبرق والظلمة حتى أحاطت بالجبل الذي عليه موسى عليه الصلاة والسلام أربع فراسخ من كل جانب وأمر الله تعالى أهل السموات أن يعترضوا على موسى عليه الصلاة والسلام فمرت به ملائكة السماء الدنيا كثيران البقرة تنبع أفواههم بالتسبيح والتقديس بأصوات عظيمة كصوت الرعد الشديد فقال موسى‏:‏ رب إني كنت عن هذا غنياً ثم أمر الله تعالى ملائكة السماء الثانية أن أهبطوا على موسى واعترضوا عليه فهبطوا عليه مثل الأسود لهم لجب بالتسبيح والتقديس ففزع العبد الضعيف موسى بن عمران مما رأى وسمع واقشعرت كل شعرة في رأسه وبدنه ثم قال‏:‏ لقد ندمت على مسألتي فهل ينجيني مما أنا فيه شيء فقال له خير الملائكة ورئيسهم‏:‏ يا موسى اصبر لما سألت فقليل من كثير ما رأيت ثم أمر الله ملائكة السماء الثالثة أن أهبطوا على موسى واعترضوا عليه فهبطوا عليه أمثال النسور لهم قصف ورجف ولجب شديد وأفواههم تنبع بالتسبيح والتقديس لهم جلب كجلب الجيش العظيم أوالنهم كلهب النار ففزع موسى واشتد فزعه وأيس من الحياة فقال له خير الملائكة ورئيسهم‏:‏ مكانك يا ابن عمران حتى ترى ما لا صبر لك عليه ثم أمر الله ملائكة السماء الرابعة أن اهبطوا على موسى فاعترضوا عليه فهبطوا عليه لا يشبههم شيء من الذين مروا قبلهم ألوانهم كلهب النار وسائر خلقهم كالثلج الأبيض أصواتهم عالية بالتسبيح والتقديس لا يقاربهم شيء من أصوات الذين مروا به قبلهم فاصطكت ركبتاه وأرعد قلبه واشتد بكاؤه فقال له خير الملائكة ورئيسهم‏:‏ يا ابن عمران اصبر لما سألت فقيل من كثير ما رأيت ثم أمر الله ملائكة السماء الخامسة اهبطوا على موسى فاعترضوا عليه فهبطوا عليه لهم سبعة ألوان فلم يستطع موسى أن يتبعهم بصره ولم ير مثلهم ولم يسمع مثل أصواتهم فامتلأ جوفه خوفاً واشتد حزنه وكثر بكاؤه فقال له خير الملائكة ورئيسهم‏:‏ يا ابن عمران مكانك حتى ترى ما لا تصير عليه ثم أمر الله ملائكة السماء السادسة أن اهبطوا على موسى فاعترضوا عليه فهطبوا عليه وفي يد كل واحد منهم مثل النخلة العظيمة الطويلة نار أشد ضوءاً من الشمس ولباسهم كلهب النار إذا سبحوا وقدسوا جاوبهم من كان قبلهم من الملائكة كلهم يقولون بشدة أصواتهم سبوح قدوس رب العزة أبداً لا يموت في رأس كل ملك منهم أربعة أوجه فلما رآهم موسى عليه الصلاة والسلام رفع صوته يسبح معهم وهو يبكي ويقول‏:‏ رب اذكرني ولا تنس عبدك فلا أدري أأنفلت مما أنا فيه أم لا إن خرجت احترقت وإن أقمت مت فقال له كبير الملائكة ورئيسهم‏:‏ قد أوشكت يا ابن عمران أن يشتد خوفك وينخلع قلبك فاصبر للذي سألت ثم أمر الله تعالى أن يحمل عرشه ملائكة السماء السابعة فلما بدأ العرش انصدع الجبل من عظمة الرب سبحانه وتعالى ورفعت الملائكة أصواتهم جميعاً يقولون سبحان الملك القدوس رب العزة أبداً لا يموت فارتج الجبل لشدة أصواتهم واندك واندكت كل شجرة كانت فيه وخر العبد الضعيف موسى صعقاً على وجهه ليس معه روحه فأرسل الله تعالى برحمته الروح فتغشته وقلب عليه الحجر الذي كان جلس عليه موسى فصار عيله كهيئة القبة لئلا يحترق موسى عليه الصلاة والسلام وأقامت الروح عليه مثل اللامة فلما أفاق موسى قام يسبح ويقول آمنت بك وصدقت أنه لا يراك أحد فيحيا ومن نظر إلى ملائكتك انخلع قلبه فما أعظمك وأعظم ملائكتك أنت رب الأرباب وملك الملوك والإله العظيم لا يعدلك شيء ولا يقوم لك شيء رب تبت إليك الحمد لك لا شريك لك ما أعظمك وما أجلّك يا رب العالمين فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ ظهر نور ربه للجبل فصار تراباً واسم الجبل زبير‏.‏

وقال الضحاك أظهر الله عز وجل من نور الحجب مثل منخر الثور‏.‏ وقال عبد الله بن سلام وكعب الأحبار ما تجلى للجبل من الله تعالى إلا مثل سم الخياط حتى صار دكاً‏.‏ وقال السدي ما تجلى إلا قدر الخنصر يدل عليه ما روى ثابت عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية وقال هكذا ووضع الإبهام على الفصل الأعلى من الخنصر فساخ الجبل ذكره البغوي هكذا بغير سند وأخرجه الترمذي أيضاً عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية ‏{‏فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً‏}‏ قال حماد هكذا وأمسك بطرف إبهامه على أنملة أصبعه اليمنى فساخ الجبل وخرّ موسى عليه السلام صعقاً‏.‏ وقال الترمذي حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة ويروى عن سهل بن سعد الساعدي أن الله تعالى أظهر من سبعين ألف حجاب نوراً قدر الدرهم فجعل الجبل دكاً يعني مستوياً بالأرض وقال ابن عباس‏:‏ جعله تراباً وقال سفيان ساخ الجبل حتى وقع في البحر فهو يذهب فيه وقال عطية العوفي صار رملاً هائلاً وقال الكلبي جعله دكاً يعني كسراً جبالاً صغاراً وقيل إنه صار لعظمة الله تعالى ستة أجبل فوقع ثلاثة بالمدينة وهي‏:‏ أحد وورقان ورضى ووقع ثلاثة بمكة وهي‏:‏ ثور وثبر وحراء وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وخر موسى صعقاً‏}‏ قال ابن عباس والحسن يعني مغشياً عليه‏.‏ وقال قتادة يعني ميتاً والأول أصح لقوله ‏{‏فلما أفاق‏}‏ والميت لا إفاقة له إنما يقال أفاق من غشيته قال الكلبي صعق موسى عليه الصلاة والسلام يوم الخميس وهو يوم عرفة وأعطي التوراة يوم الجمعة يوم النحر‏.‏ وقال الواقدي‏:‏ لما خر موسى صعقاً قالت ملائكة السموات‏:‏ ما لا بن عمران وسؤال الرؤية وفي بعض الكتب أن ملائكة السموات أتوا موسى وهو في غشيته فجعلوا يركلونه ويقولون يا ابن النساء الحيض أطمعت في رؤية رب العزة فلما أفاق يعني من غشيته ورجع علقه إليه وعرف أنه سأل أمراً عظيماً لا ينبغي له ‏{‏قال سبحانك‏}‏ يعني تنزيهاً لك من النقائص كلها ‏{‏تبت إليك‏}‏ يعني من مسألتي الرؤية بغير إذنك وقيل من سؤال الرؤية في الدنيا وقيل لما كانت الرؤية مخصوصة بمحمد صلى الله عليه وسلم فمنعها قال سبحانك تبت إليك يعني من سؤال ما ليس لي وقيل لما سأل الرؤية ومنعها قال تبت إليك يعني من هذا السؤال وحسنات الأبرار سيئآت المقربين ‏{‏وأنا أول المؤمنين‏}‏ يعني بأنك لا ترى في الدنيا وقيل أنا أول المؤمنين يعني من بني إسرائيل بقي في الآية سؤالات‏:‏ الأول أن الرؤية عين النظر فكيف قال أرني أنظر إليك وعلى هذا يكون التقدير أرني حتى أراك‏؟‏ والجواب عنه‏:‏ أن معنى قوله أرني اجعلني متمكن من رؤيتك حتى أنظر إليك وأراك‏.‏

السؤال الثاني كيف قال لن تراني ولم يقل لن تنظر إليّ حتى يكون مطابقاً لقوله ‏{‏أنظر إليك‏}‏‏؟‏ والجواب‏:‏ أن النظر لما كان مقدما الرؤية كان المقصود هو الرؤية لا النظر الذي لا رؤية معه‏.‏

السؤال الثالث‏:‏ كيف استدرك وكيف اتصل الاستدراك من قوله‏:‏ ‏{‏ولكن انظر إلى الجبل‏}‏ بما قبله‏؟‏ والجواب أن المقصود منه تعظيم أمر الرؤية وأن أحداً لا يقوى على رؤيته تعالى إلا من قواه الله تعالى بمعونته وتأييده ألا ترى أنه لما ظهر أصل التجلي للجبل اندك وتقطع فهذا هو المراد من هذا الاستدراك لأنه يدل على تعظيم أمر الرؤية والله أعلم بمراده‏.‏